هو الحلم ذاك ، هو كل شيء ذاك ، هو أنت بني ، وأنت ما أريد ، تلك أمنية الناس ، ذلك حلم الأجيال ، رؤية الأمهات في المنام ، رؤية الرجال بين الصلوات ، أن يرى الرجل ابنه في أكبر منصب ، وأن ترى الأم ابنتها هناك عاليا في منصب غير يسير الوصول إليه من الجميع ، هو حلم الأطفال بين الأزقة يلعبون ، من منا لم يطلب يوما من أبوه أو من أمه شراء طائرة ، حلم يكبر منذ أن وجد الطائر ، وكيف لا ، ويوما ما ، في زمن ما ، وفي دولة كبرت واتسعت في بغداد إلى حدود خارج بغداد ، فكر عباس ابن فرناس أن يطير ، جر فخاب التجريب فمات ، والحلم في البشرية لم يمت ،وبعده لدهور جرب الأخوين “رآيت ” فكانت التجربة الصواب ، واشتعل حلم الارتفاع عن الأرض بين البشر ، وصار حلم صنع الطائرة يحتاج إلى طيار ، حلم لم يمنع الناس في المغرب وفي بلاد العرب من تجريبه ،ولو أنه حلمهم الأوائل استرقه الغرب منهم ، استرقته منهم بلاد العلم ،بلاد التجربة ،بلاد لا خوف ، ولولا فسحة الأمل لا ضاق بالإنسان المقام .
واليوم نحن رفقة رجل من أبناء الرحامنة ، بلا خوف منه وبلا تردد ، بالعلم فقط وبالمعرفة صار طيارا محلقا في الأجواء ، في زمن لم يكن ولا يزال حلم الطيران صعب حتى ونحن بيننا اليوم أجيال من المتمدرسين والناجحين والفائزين ، حين يتمنى علية القوم أن يصبح أبنائهم مهندسين أطباء صيادلة محامون وقضاة ، يرسلونهم للدراسة بالخارج ، يغدقون عليهم المال بالداخل ، وأي شراب هو مما يطعمونهم وأي طعام وأي مبيت وأي لباس وأي حداء ، وأي السيارات والخدم والحشم وأي إمكانات ، من الأيباد إلى أخر صيحة من الساعات ومع ذلك لم تستطع مجموعة من الأسر تلك ، أن تنجح في إقناع عقول أبنائها بحذو تجريب الطيران ، ليس لأن أبنائهم يخافون ، أو لا يريدون ، ولكن لأن مهنة طيار ، ليس بكل ما ذكرنا سهل الوصول إليها ، وحده الحبيب بوشريط استطاع يوما ما في زمن الرحامنة بالأبيض والأسود ، أن يكسر القاعدة ،وأن يكسر الأعراف و قانون كل الأجيال ، ترى من هو؟ وكيف ؟ وما حصل في مساء أو صباح ذات يوم ؟
هو الحبيب بوشريط ، من مواليد عام 1952بجماعة لبريكين بإقليم الرحامنة ، من أسرة فلاحية فقيرة بدوار السبيتات ، هذا الصبي الذي دخل المدرسة وقد تجاوز سنه 10 سنوات ، كانت السنة الأولى من الابتدائي كافية لإظهار أن الإبن الرابع في تلك الأسرة الفقيرة من مجتمع رحماني بدوي سيكون له ما يكون .
عام 1971 ، وبعد ما حصل الحبيب على شهادة بكالوريا بامتياز في مسار تعليمي محذوفة منه عبارة تكرار ، للإشارة فسنوات الثانوية سيقضيها بمراكش ، أساتذته لمسوا في الشاب نبوغا منقطع النظير في الرياضيات ،وفي نفس العام انتفض حلم الطيران في هذا الشاب وهو ما سيجعله يتقدم لمباراة ولوج مدرسة الطيران ، وسيجتاز الاختبارات بنجاح ، ومعلوم ومعروف أن الطيران يحتاج إلى مقدرات علمية وجسدية ونفسية كثيرة وكبيرة توفرت وحدها في الحبيب ذاك اليوم ، من غير واسطة ومن غير أن يكون ابن فلان أو علان أو مما ينجح بسببه الكثيرون اليوم، هو الوحيد ، الوحيد بالأمس واليوم على امتداد الخمسين عام ، وحده الطيار ووحده من توقف عنده العد ، بعد القبول وبعد سنوات التكوين بالمغرب وفرنسا التي قضى فيها عامين ، ولسوء حظه وها قد نادى المنادي في تخوم الصحراء ، نادى فيه قدره وقضاء الله فيما سيكون فيه، حلت سنة 1975 سنة ” لاكروشاج ” بالجنوب ، وقد ارتفع زئير الصحراء إن كان للصحراء زئير ، انقشعت الحرب مع عدو الأمة المغربية ، البوليساريو ، كان يومها الحبيب في سن 28 طيارا جاهزا لتحريك F5 وبأقصى سرعة حينما طلب إلى تلك المهمة ، حلم الطفل أصبح حقيقة يمتحن فيها على ارتفاعات والعدو بالأسفل ، مع دفعة هي الثانية في مغرب ما بعد الاستقلال ، طيار حربي يقاتل من أجل الوطن ، يجرب حلم الطيران يجرب ذاته ، ولأن ربك قضى وقدر . كتب للحبيب يوما هو 14 من شهر فبراير عام 1980 أن يسقط بعدما اضطر لترك طائرته مرغما حينما احترقت في الأجواء ،واضطر إلى النزول بالمظلة ووجد نفسه في أيدي العدو ، عدو وليته كباقي الأعداء.
حلم الطيار تبخر وحل معه الحبيب الأسير رقم بلا طائرة، الأسير لعام ولعامين تم لسنوات امتدت إلى حدود 23 سنة و9 شهور ، جرب فيها طيار الرحامنة الويلات وأنواع العذاب وألوانه ، وأسرة تركها مكلومة انتهت بسقوطه كالجدار ، كان الحبيب يدها وأرجلها ورحمتها وزادها بعد تعب للوالد في التربية وبعد كد وجد استبشرت معه الأسرة بإنتاج وفير ، ترى هاهو الليل الدامس يرخي سدوله بلا نهار مضيء ، وحينما تسقط الوالدة في العد ، عد اليوم والغد ، وورائها من يحيط بها كلهم يعدون ، هل اقترب موعد عودة ابنها الأسير ، عودة البطل في عيون بلده ، عودة النموذج في عيون مجايليه ، عودة القدوة في مقل من سيقتفي أثره من أبناء قبيلته .
عام 2003 وبالتحديد شهر ديسمبر، سيطل الحبيب ، الذي غاب كثيرا وطويلا ، وحدها الوالدة من وجدها صامدة بقدرة الله ، فيما والده الفقيه كان قد غادر الدنيا عليلا مريضا ابيضت عيناه من الحزن فهو كضيم من وراء غياب ابنه بسبع سنين ، وحدها عوالج النفس من كانت تعلم تصريف الأحزان ، وليتها اكتملت فرصة اللقاء في ملكوت الله ، فوالدة الحبيب التي انتصرت على الانتظار، وأجمعت زاد الصبر لسنين، سينتصر عليها الموت بعد مجيئ ابنها ب 15 يوما وليختلط فرح العودة بالعزاء في أنشودة التاريخ التي لا تبر بأي كان ، هي العمياء هذه الأنشودة ، هي الفانية ، هي المتوحشة لا تفرق ، لا ترحم ، وليكتب لهذا الإنسان أن يعيش وأن يحتفى به، وأن يكون البطل في مغرب فقد الكثير من الرجال على تلال وكثبان الصحراء الواسعة ، فهل يمكن مسامحة البوليساريو ومن كان يستطيع يوما حسم المأساة في الصحراء والانحياز للوطن وأبنائه .
الحبيب اليوم هنا بالمغرب احتفي به حين عودته ، هل يمكن تعويضه عن بطولاته طيارا وتاريخ من السنون أمضاه في سجون لا رحمة فيها وحده الصبر ما يفيد، و وحده عبد العاطي بوشريط أخ الحبيب من سيؤدي دور الخيال أو الظل ، بديلا للحبيب في ترطيب كبد أبوين أخد منهما غياب ابنهما، ووحده عبد العاطي الغني عن التعريف ، من قدر له أن يلعب دور المربي والحاضن لأبناء الحبيب إلى حين عودة هذا الحبيب ، الذي لم تكن يوما ما عودته مضمونة من ذلك الجنوب الثائر كالجنوب .