لم يكن المجتمع المدني هو ذاك الذي يحتمي بالأوراق والأسماء والأشكال والألوان ، مجتمع العدد والنصاب والمضمون ومراقبة السلطة ومسميات الشفافية والنزاهة ، ولم يكن المجتمع المدني هو التقارير المالية والأدبية ، ولم يكن الأوراق التبوتية ولائحة الأعضاء وجدول الأعمال وغيرها من المحاضر والبرامج والالتزامات ، كان المجتمع المدني غير كل ذلك ، كان يتجسد يوميا في مسيرة الحياة في شخص بالدوار وبالحي وبكل نقطة من ربوع المغرب ، كان مفهوم المجتمع المدني يتجسد في نفس بشرية كبر عليها هم الناس وأوجاعهم فاستصغرته بما حباها الله من صبر وجهد وإيثار ونقاء نفس وطهرها . بعيدا عن أكذوبة ما سمي مجتمعا مدنيا ، ولو أنه في الحقيقة مجتمع “بدني ” أو مجتمع “عدمي” ، لأنه لم يغير من واقع المغرب شيئا إلى حدود اليوم ولم ينهض بمسؤولياته على الأقل ، بل أتلف الملايير من أموال الدعم العمومي التي أقبرت في البطون والجيوب والبرامج الخاوية الهاوية.
واليوم عبد الخاليد البصري وبعض من وجوه كثيرة منها من طواها النسيان ، ومنها من لا تزال تناضل سعيا في إسعاد أو تقريب أو تسهيل أو رفع أثقال الحياة وكوابيسها وغموضها عن الناس ، هو من فرض نفسه ، هو ابن المدينة أو لنقل ابن القبيلة ، ابن العائلة العريقة المجيدة آل البصري ، هو وريث سر الحاج إدريس البصري ، الغني عن التعريف على طول هضاب وصخور الرحامنة المترامية بين مرتفعات سيدي عبد الله شمالا إلى حدود راس العين جنوبا ، ولو أنه لا يغني الشرف أحيانا في إلهام الناس وجعلهم قدوة وقادة ، ولكن في حالة عبد الخاليد تأصل مجد الآباء ، وكيف لا وريح بداوة المحرة تحرك الدم المتدفق في عروقه ، وحضارة مغرب ما بعد الاستقلال التي وجدته يافعا بمدينة الدار البيضاء ،و التي ارتوى من مهارات الرجال بها لسنين ،وفي كل المضمار بقي عبد الخاليد الرحماني الوفي للجنوب ، جنوب أسلافه ، معقل الكثير من البواسل الذين طبعوا الساحة وملئوا الوطن بالكثير من الهمم والأخلاق ، منهم الأساتذة والأطباء والمهندسون والإعلاميون والجامعيون والباحثون والقادة ، ومنهم الهمة أخر صناع مجد الرحامنة وهو من هناك كذلك .
وعبد الخاليد الذي نطل معه اليوم من خلال نافدة على الناس . هو الأستاذ السياسي والإنسان ، ونافدة اليوم تفتح بابها على عبد الخاليد الإنسان ، ومنه إلى المجتمع المدني الذي لم يحتج معه هذا الرجل لا إلى قانون أساسي ،ولا إلى لائحة أعضاء ، ولا إلى ملف للدعم ، ولا إلى تسابق أشباه الجمعويين ، ولا إلى ما أترف الحياة الجمعوية بابن جرير حتى غدت سما يقتل ولا يرحم ، عبد الخاليد لا يجمع الأوراق ولا يضمها إلى بعضها لانتظار صدقة المتصدقين ، ولا يصطنع أساليب الحصول على مال المجلس البلدي ولا عمالة الإقليم ولا دعم الجماعات والأفراد ، لا يفعل الرجل ذلك ، بل بالعكس يملك وجها نظيفا ، وهو الوجيه في المدينة والإقليم ، المتعدد العلاقات بكبرائها وبمستضعفيها ، لا يمل ولا يكل ، المبتسم لا العبوس ولا الواجم ، على رجليه أو على متن سيارته سعيا لخدمة الناس ،هو الرقم الأخضر الحقيقي للسلام ، هاتفه لا ينتهي عن الرنين ، وبيت القصيد أينما حل وارتحل قضاء مآرب الناس وأغراضهم وحاجاتهم ، بينها دواء لمريض و فيها شغل لعاطل ، ووساطة لضعيف وهلم جر من الأدوار التي اتكل المجتمع المدني فيها اليوم أيما اتكال على القانون الأساسي وعلى دعم السلطة ومال الشعب ولا هو تحرك . في بيئة لم تستطع فيها كل تلك الأعداد البشرية، وتلك الجمعيات ، ونواميس اشتغالها العقيمة والغامضة الفارغة من محتوى الإنسان في فعل أي شيء مهم ، في مجتمع كان الأولى فيه أن يبنى على همم الرجال ،لا على أنقاض المصالح والذاتية وذكرى إنسان بلا إنسان .