هو سؤال يمكن أن نطرحه بخصوص أي حرفة أو مهنة أو وظيفة شئنا اختيارها ، فهل يجوز مثلا يعني، طهي الطعام في المطاعم بدون خبرة طباخ ؟ وهل يجوز الاشتغال بمهنة كهربائي بدون دبلوم أو تكوين في تلك المهنة ؟ وهل يجوز التطاول الصريح على كل المهن في العالم من خياطة أكياس الحمام إلى صناعة المكوك الفضائي لعبور الغلاف الجوي ؟
وحتى لا نبتعد كثيرا نقول أي ممارسة اليوم للصحافة ولو من باب الفضول دون الاعتراف بأن المرور إلى تلك المهنة يبدأ من الموهبة وينتهي عند التأطير ، إذ لا يمكن أن تنفع الموهبة وحدها في صقل قدرات ممارس الصحافة ، فالمهنة محفوفة بالأسرار وبالأنفاق وبالمخاطر وبالصواعد والنوازل ، هي في النهاية مهنة المتاعب وتحتاج إلى زاد معرفي وتكوين مستمر .
هل يمكن أن يستفيق من شاء في صبيحة مشمسة صافية تم يفكر منفردا أو مع من يحب ويختار من أجل امتهان الصحافة في الغد ، فمثلا يمكن امتهان بيع ” الدلاح ” ويمكن امتهان بيع الخضروات وتجارة الرغيف وبيع السمك والدقيق المدعم ، ويمكن امتهان وامتلاك العالم بأسره ، يمكن كذلك بيع السيارات الفارهة وتجارة الرمال والصيد في أعالي البحار وصناعة مكبرات الصوت ، ويمكن امتهان الأذان في المساجد ولما لا امتهان الفقه والنحو وبالبلاغة ، كما يمكن امتهان قراءة الكف والسحر والشعوذة ، وعليه يمكن امتهان بيع المتلاشيات والأثاث المنزلي وصناعة الألعاب وامتهان التعليم ، والتفكير مليا في تطوير القدرات بكل تلك المهن والعيش بها وضمان المستقبل بكل أريحية وبوجه أحمر مشرف . أما امتهان الصحافة فإنه بتقديرنا كوم أخر .
ليس مقبولا بالقطع أن يتصور الإنسان أنه يمكن أن يصبح صحفيا بمجرد التفكير في إنشاء جريدة ورقية والحصول على بطاقة أو إنشاء موقع الكتروني أو أي لون إعلامي أخر أنه قد امتلك القدرة على إنتاج الصحافة وأصبح حديث العالم ، فبالأحرى أن يفكر الإنسان التكسب والعيش وضمان المستقبل والرقي المجتمعي بصحافة بين عشية وضحاها بلا علم ولا هم يفرحون …
قد يكون محمودا أن نمتلك الجرأة والقلم بعض الشيء ، ولكن أن نكون مستعدين فطريا للتكوين والتدريب على مهارات علم يحتاج في الأصل إلى امتلاك زاد معرفي واسع ، إطلاع وعلم بالجغرافيا والتاريخ وزاد من العلوم واللغة وكثير من القيم الإنسانية النبيلة وشغف نبل المهنة .
سنكون كمن خلق ليفترس حينما نظن أننا صحفيون وإعلاميون لمجرد أن الأكثرية تتق فينا حينما نكون بينهم أو يطلبوا خدمتنا ، ولكن يجب أن يتحول كل من يحس بنفسه مزهوا أمام الآخرين إلى دبابة لو كان ممكنا ، تم ويعود أدراجه لسماع ماذا يقول فيه أولئك الذين مدحوه قبل ذلك شعرا وغزلا ، سيشعر أنه حقير ذليل بين الجميع ، وأنهم يجاملونه لفضح الناس وشتمهم على صحيفته أو موقعه ، وأنهم يعتبرونه مجرد صحافي متسول للعيش على حساب العالم ، هذا هو حكم الأغلبية فيمن يتطاول على الإعلام بدون ترسانة معرفية أكاديمية وتكوين مستمر كل عام وكل حين .
إننا نشعر اليوم بالفخر حينما نستشعر أننا نمارس مهنة الصحافة بجريدة بلاد بريس وقبلها بجرائد ورقية وصمناها بما تيسر من أبجديات المعهد العالي للصحافة والموهبة والثقافة والتكوين بما تيسر ، وما تلا ذلك من تكاوين عديدة شرفنا فيها صحافيون كبار ، ونحن على الدرب دائما بنظام وانتظام وبتواضع شديد جدا ، كما أن زادنا من الندوات الفكرية وأخرها بلاطو بلاد بريس ، كلها محطات تعطينا على الأقل أن نقول على أنفسنا أننا وبتواضع شديد نمارس مهنة المتاعب بمتاعبها ، وبالمطلوب من المعرفة كي لا نترك للأخر فرصة الاستهزاء بنا وبصحافتنا ، حينما لا يجد الأخر من بد في السخرية مما يقدمه بحسبه أشباه الصحافيون ، فالصحافة بلا قيم معرفية تشبه الوجبات التي تقدمها سيدة جديدة فاشلة لم تتكون ببيت أمها على مهارات البيت ، وبمجرد دنو بيت زوجها الجديد فلا عجين لديها على حال ولا أي شيء يستقيم ويكون مصيرها الطلاق في النهاية .
تلك هي الصحافة التي قد يتحول فيها من يحترفونها إلى أضحوكة الجميع والى “موسم للمشاوشة ” وبدون أن يشعروا بتلك السخرية من الأخر ، لأن ذلك الأخر لا يملك الشجاعة في أن يقول لك توقف فما تفعله ليس صحافة وإنما هو السخافة بعينها .
بالأمس واليوم وطيلة عقود من الزمن كانت الصحافة هي البرج العاجي الذي لا يجرؤ أحد على القفز من ورائه ،برج سكانه من العمالقة وهم من يوجهون عجلة التاريخ ، ولا تزال المهنة بكل تمفصلاتها السمعية والبصرية والمكتوبة محراب المثقفين والعارفين والموهوبين ، أما أن يتحول الإنسان من فرد بسيط إلى حالة مجتمعية للسخرية والإشباع بالضحك ، فتلك أقبح لأنه بعدها سيتحول إلى فسحة وحالة من التعري لا تبقي فيه عظما مستورا .