جميعة و نظرية “كولو العام زين”
اتفقت شرذمة نسائية على تكوين جمعية تعنى بتحسين و ضعية المرأة بالعالم القروي، في اطار برامج تدعمها الدولة و مؤسسات مانحة، فاتفقن على عقدجمعهن التأسيسي في بيت إحدى المحنكات في دواليب الحبك السياسوي. استدعيت جميع نساء الدوار بعد إخبار مسبق للسلطات طبعا، و بعد جدال و نقاش حامي الوطيس عن الأهداف و المرامي من تكوين الجمعية، و في جو صاخب مشحون باللغط، كاد يتحول في العديد من المنعرجات إلى حلبة لصراع الديكة، كانت السيدة الأربعينية جميعة، ذات السحنة المفيوزية، و الأنف المفلطح، سيدة الموقف و ربان السفينة المحنك بخفايا الدسائس و المكائد الانتخابية، و استطاعت بدهائها و خديعتها أن تحشر و تجيش جيشا من النساء إلى صفها، ضد الشابة سعاد، الفتاة المتعلمة و المثقفة الغواصة في بحر العلوم الإنسانية والخبيرة بطبائع المجتمعات و الأمم، إلا طبيعة بني جلدتها.
التئم الجمع، و تمت المصادقة على مشروع قانون أساسي لا يميزن فيه الألف من العصا، و انتخبت جميعة رئيسة للجمعية في تمثيلية ديمقراطية، باركها رأس البلية و الفتنة، المتربع على عرش جماعة قروية لثلاثين سنة دون أن يهتز كرسيه و لو مرة واحدة. كيف لا يبارك انتخاب جميعة؟ و هي العمود الفقري و الدينامو المحرك لكل حملاته الانتخابية، و البومة الصماء المتسللة ليلا إلى ثخوم الدواوير، تفرق المال الحرام و الوعود و الأحلام. كيف لا؟ وهي رسول النوايا الحسنة في معركة توريث العرش، الذي لم يبلى،لولي عهده الذي نبث لحمه و شحمه من المال العام.
لم تستسغ سعاد الهزيمة و أقسمت جهد إيمانها بالتصدي للأفعى الرقطاء جميعة و صلها الرئيس، و إشهار ورقة المعارضة البناءة، و استنهاض همم النساء وتعبئتهن ضد غريمتها، و ضد قوى العبث بعقول الجاهلات و الأميات. اتفقت مع مجموعة من المتعلمات من بنات الدوار على تأسيس جمعية مماثلة، لكن تواطؤ الرئيس و السلطات، كان سدا منيعا أمام رغبتها و طموحها،نددت و شجبت و كاتبت ..لكن لا مجيب و لا مستمع.
فيما انطلقت مسيرة جميعة و جمعيتها تجوب و تشق طوابير الدعم، تارة تحت يافطة التنمية النسوية و تارة دعم المشاريع المدرة للدخل بالعالم القروي. حصلت على الدعم تلو الأخر، و حبكت سيناريوهات مدققة، لتبرير إسرافها و تبذيرها للمال العام في مسرحية هزلية يكشف خيوط تلابيبها أول قاض مفتحص لمالية الجمعيات. و شد الخناق على سعاد و سبطاتها، و ضرب الوثاق على مشروع طالما راودها في المنام و الخيال و اليقظة، مشروع يتبنى فلسفة فكرية ثقافية ثورية، متأسسة على فلسفة التضامن و التآخي المنبثقة تجلياتها من تصورات روسو و نظريات سارتر و يوطوبيا أفلاطون، متناسية أن المدينة الفاضلة هي نسج من ضرب الخيال و أبخرة الأحلام. بقيت المسكينة المتيمة بقيم الفكر الإنساني و النخبوي تترنح يمينا و شمالا، تتردد و تدق أبواب الإدارات، تشتكي جميعة و تلاعبها بالمال العام و خططها الدنيئة الوضيعة بانخراطها في حملات انتخابية سابقة لأوانها. استعرت الحرب و استمرت بين قوى العبث و مافيا الانتخابات المعتنقة مذهب شراء الذمم و الزرواطة، و قوى التغيير المؤمنة بقيم و نبل العمل الإنساني و المتوهجة من نور الأخلاق والفضيلة الفاضلة.
رويدا رويدا، دب السأم و الملل إلى دواخل سعاد و بدأت تستعرض في ساعات خلوتها شريط ذكريات سنواتها الجامعية و محاضرات أساتذتها و هي تمر عليها مر السحاب، و انزاحت عن مخيلتها تراكيب النصوص الفلسفية و مقولات روسو في الحرية و الإرادة و الأخلاق، و صارت أفكار كامي و سارتر سرابا سرمديا و ذهب مفهوم ديكارت للدولة كتعبير أسمى لروح الأمة جفاءا. و اختزلت جميعة كل النظريات الفكرية و أطروحات الأكاديميين في العلوم السياسية في المقولة المشهورة و التي كانت غالبا ما ترددها لها كلما التقيتا “إلا بغيتي تقضي الغراض في المغرب كولي لعام زين و دخلي منين ما بغيتي أو تعالي تفرجي بلا قراية و بلا فهامة”.
حقيقة، نظرية جميعة تستحق أن تدرس في المعاهد و الجامعات الدولية، ليدرك أولو النهى، النبوغ الفكري و التطور الفلسفي للمفهموم الجديد للسياسة الذي بات يتقنه الأمي و الجاهل، و يعرف قابلية المجتمع للتغيير و مدى تأثير الربيع العربي في تغيير العقليات و مدى تفاعلها مع الأحداث، في ظل تجنيد أمثال جميعة، بشكل جلي لتفشي ظاهرة العبث السياسوي و تشجيع ناهبي المال العام من سماسرة الانتخابات و بائعي الأحلام و الرؤى و غض الطرف عنهم ، في مقابل قرع طبول الحرب على معتنقي الفكر النقدي و التنويري المتحرر من براثن التقليدانية.

