مدينة ابن جرير بعد الزيارة الملكية
تحول 180ْ درجة الذي عرفته مدينة ابن جرير بعد الزيارة الملكية كان لافتا للنظر و مثيرا لاهتمام القابعين وراء الأسوار العتيقة و للمتابعين للنمو الهرموني العمراني لمدينة عانت من سنوات الرصاص بأبعاد الحساسية التاريخية و الإقصاء من المخططات التنموية الوطنية ، و لم تكن عاصمة الرحامنة بالأمس قبل 2007 تحلم برجوع أسطوري لفؤاد عالي الهمة كأحد رجالات الدولة الرفيعة المستوى ، و لم يكن الأمل حتى بتدبير الحد الأدنى لأمهات المشاكل التي تفاقمت و استعصى حلها و صارت معلقة على مشجب الحتمية و انفلاتات التنمية غير المندمجة ، و تفاقمت الأوضاع البنيوية مع الهجرة القروية المكتظة التي فرخت تجمعات سكنية عشوائية و أحزمة الفقر و البؤس ، و أفرزت واقعا اقتصاديا كاريكاتوريا بنكهة السخرية السوداء اللاذعة رسمته إبداعات الحاجة التي هي أم كل اختراع ، و شخصته العربات المجرورة بأعداد لا تخضع للحساب أو لجدول الجمع و التحصيل . صارت ابن جرير ملجأ للفارين من الجفاف و قساوة الطبيعة و لعارضي السواعد و اليد العاملة ، و تحولت الهوامش و الضواحي مقرات للعصابات المنظمة و مراكز لترويج المخدرات و المسكرات . و كانت الجماعة المحلية مسرحا لاستعراض العضلات و الفتوات ، و عاجزة عن الاستجابة للمطالب و التعبيرات و الانتظارات و قناة للغنى و الثراء و المصلحة الشخصية الضيقة ، و في طريق المصير المجهول و الأفق المظلم ، ارتمت المدينة في أحضان الرذيلة و أصاب الناس اليأس و ترسخت فكرة الرحيل و البحث عن فضاءات أخرى أكثر حظا في الرزق و أكثر إنعاشا لمصدر العيش . خاب الأمل في عقارب التنمية التي لم تعد تدور إلا بمشيئة قدرية و تسرب يقين الجريمة و التطرف و الانحراف و مظاهر تفشي قانون الغاب و العشوائية ، و دب الشك في معانقة الخلاص من براثين النحس المتعدد و المركب الذي بات يطارد أهالي المدينة . و لأن العقار أصبح يباع بأبخس الأثمان و قيمته تدنت أسفل سافلين ، غرق الناس في بحور الحيرة لأن ممتلكاتهم غير قابلة للبيع و الشراء ، و لأنها لا تنفع حتى لسد الرمق أو قضاء غرض .
و في اليوم المعلوم الذي أعلن فيه فؤاد عالي الهمة استقالته المدوية من الداخلية و نزوله إلى الشارع السياسي لخوض غمار الانتخابات مرشحا عن الدائرة التشريعية الرحامنة ، انفتحت أبواب الحديث عن هذه المفاجئة بحجم الدنيا و انطلقت مسيرات الدعم و النصرة و الإجماع حول هذه الهبة السماوية الآتية لنشر قيم التنمية بشكل مغاير و اجتثاث أسباب و دواعي الردة السياسية و استئصال ورم الفساد الخبيث الذي انتشر في جسد الرحامنة المريض . و أول قطرات المطر غيث ، بحيث تسارع الخطو في اتجاه تجميع المعطيات و تشكيل بنك للمشاريع و المقترحات ، توجه ميلاد مؤسسة الرحامنة للتنمية المستدامة المتزامن مع الزيارة الملكية التي أنجبت اثنا عشر اتفاقية و شراكات قطاعية و ميزانية ضخمة همت تشييد المدينة الخضراء محمد السادس و إنشاء محطة لمعاجة المياه العادمة و معرض دولي و منطقة لوجيستيكية و السدود التلية و التأهيل الحضري و إعادة الهيكلة . فاستبشر الناس خيرا بانفراط سبحة استرجاع الثقة و الخيط الناظم الرفيع ارتفاع السومة الشرائية للعقار و توافد المستثمرين في شراء الوعاء العقاري لإقامة التجزئات السكنية عليه . فتعاقبت مقدمات تحسين الواجهات و أوراش التبليط و التعبيد مما زاد في مؤشرات الطابع المعماري و العمراني للمدينة و حولها من مركز للاستراحة و مرجعا في اللحم الطري و المشوي و الطاجين إلى مدينة صاعدة بملامح أخرى و بمعالم واضحة في البنية التحتية و الإنارة العمومية و البنايات بوظائف متعددة .
زار الملك حي التقدم و ساهم في تركيب صورة مختلفة جذريا عن الأمس بعناوينه المجهولة ، ماضي البناء العشوائي و الحفر و الأوحال و المستنقعات و الظلام الدامس و حاضر التعبيد و الإنارة و الماء الصالح للشرب و الفضاء الأخضر و توحيد الطلاء و تبليط الواجهات الرئيسية . و لأن اللائحة طويلة فالاختصار الأفيد يبدأ من إعادة تهيئة الطريق الرئيسية و تمكينها من الإنارة العمومية انطلاقا من مدخل المدينة حتى مخرجها ، نفس الإصلاحات و أكثر انطبقت على الطريق المؤدية إلى قلعة السراغنة و الطريق المسماة محمد السادس و مولاي عبد الله … و البقية قادمة مع افتتاح المركز الجهوي لألعاب القوى و التجول بمنتزه مولاي الحسن و زيارة مركز الحماية الاجتماعية و دور المواطن . و لن يشبع نهمنا و طمعنا هذا كله إلا بانطلاق أشغال المسبح نصف أولمبي و تشييد المركب الثقافي و إنجاز الملعب الدولي لكرة القدم و ملاعب القرب و تحويل مرافق السوق الأسبوعي و بناء جامعة محمد السادس للمهندسين …
حلم المدينة بدأ يتحقق رويدا رويدا و لكن كابوس تسريع وتيرة الإنجاز ظل مخيفا للمراقبين و المرتقبين ، ذلك أن أوساط الرأي العام العامية و المثقفة لا تعرف شيئا اسمه مكتب دراسات و لا تعبئة الموارد المالية و لا تسوية الوضعية العقارية و جزئيات أخرى تقنية و لها ارتباط بأجرأة الشراكة . الجميع يتعجل تنفيذ الاتفاقيات المبرمة أمام الملك في زمن قياسي و لو بانطلاق أشغالها ، و الكل بدأ يشكك في المضامين برمتها و يسوق لسراب التنمية و وهم التغيير . فؤاد عالي الهمة حسم القضية ببقائه رئيسا فعليا و تنفيذيا و آمرا للصرف بالمؤسسة و عامل الإقليم يبشر بالجنة الموعودة التي تضمنها الاعتمادات الجاهزة و الماكيطات التصميمية .
