إعلان

إفتتاحية

كاريكاتير

إعلان

إعلان

الرئيسية » أخبار محلية » مبعدون بلا ضجيج… حكاية خمسين درهما بالمنفى

مبعدون بلا ضجيج… حكاية خمسين درهما بالمنفى

 

 

لم يتوقع أن يحدث له ذلك، بل لم يتخيل أبدا، أن مثل هذا الأمر ممكن الوقوع. ظل واقفا يحدق في الشباك الأوتوماتيكي ويلتفت يمينا ويسارا ويتحقق من اسم البنك واسم الشارع ويراقب المارة ليتأكد فعلا أنه يوجد بمدينة جنيڤ السويسرية. أعاد مرة أخرى النظر إلى الأوراق المالية التي صرفها له الشباك وقال: “إيوا لحماق هذا”.

سحب بطاقة “الماستر كارد”، وتردد في تناول الأوراق المالية. ماذا يفعل؟ هل تعرض للنصب؟ هل يحلم؟ أم هي كاميرا خفية أو مقلب؟ لا يريد أن يصدق الأمر. أراد سحب 200 فرنك سويسري، فإذا بأوراق مالية من فئة خمسين درهم مغربي تخرج من الشباك… مستحيل أن يقع ذلك؟ هناك خطأ ما؟ تناول الأوراق المالية وفي نيته مراجعة البنك لفهم ما يقع.

فجأة، وهو يلج البنك السويسري، جاء الصوت خافتا مثل نحيب، راجيا إياه ألا يفعل. قفز من مكانه وكاد يرمي بكل شيء ويهرب. لكنه فضل الجلوس في أقرب كرسي بباحة الانتظار داخل البنك. عجيب ما يقع له. استرجع بسرعة ما تناوله صباحا بالفندق. كأس عصير وخبز محمص وجبن “شيدر” سويسري. هل هو سكران؟ هل خلطوا له العصير بالفودكا؟ تذكر جيدا أن مذاق العصير كان عاديا. بل حتى مساء اليوم السابق اكتفى باحتساء جعة واحدة لا غير.

لكن كيف سمع إحدى الأوراق النقدية تناديه؟ بل كيف صرف له الشباك كل هذه الأوراق النقدية بالعملة المغربية؟ وهو جالس وعلامات الذهول بادية عليه، سمع الصوت نفسه وبشكل أوضح، هذه المرة: رجاء لا تفعل، حررتنا من برودة دهاليز البنك، خذنا معك، أعدنا إلى بلدنا، لقد اشتقنا للشمس والغبار.

أعاد التحديق مرة أخرى في النقود، غير مصدق. وضع يده على جبينه، حرارة الجسم عادية، باستثناء قطرات من العرق. فجأة، نهض وقرر التوجه إلى موظفة الاستقبال، وهو يمني النفس أن تبتسم في وجهه وتشكره على مشاركته في برنامج الكاميرا الخفية وتستدعي فريق البرنامج ليشاركهم الضحك. غير أن الصوت ذاته جاء هذه المرة، وهو على بعد مترين من الموظفة، باكيا يترجاه أكثر.

ارتبك، وكاد، مرة أخرى، أن يهرب ويرمي بالأوراق النقدية. حذق في الموظفة، فانتبه إلى أنها غادرت بسرعة. تسمر في مكانه، ازداد خفقان قلبه والعرق يتساقط من جبينه. استجمع قواه وغادر البنك وتوجه إلى أقرب حديقة واختار مقعدا تحت الأشجار ووضع الأوراق النقدية فوق ركبتيه، وصرخ: “أنا معاكم بالله والشرع”.

جاءه الصوت، هذه المرة، من ورقة نقدية تبدو قديمة وتنبعث منها رائحة “لغمولية”. كان الصوت خافتا وحزينا ومتعبا: نحن آخر المنفيين الذين لم ينتبه إليهم أحد، نحن رهائن سنوات الرصاص وسنوات الفضة، نحن أهم وأخطر ملف حقوقي لم ينتبه أحد لتسويته… نحن الثروة.

اقرأ أيضا: هشام روزاق يكتب:”الميتروقراطية” المغربية… بنسودة، الخازن العام لخدام الدولة

لم يحرك صاحبنا ساكنا، بدا أنه مخدر الحواس، بل، للحقيقة، بدا متعاطفا مع الورقة النقدية. أومأ برأسه، وقال في هدوء: “واصلي حكايتك”.

تنهدت الخمسون درهما واسترسلت: لم نكن نعتقد أن الناس سينسون السؤال عنا، رغم أن أعدادنا تتعدى الملايير. كيف لشعب يعيش الخصاص أن ينسى ثروته؟ بل كيف للمنظمات الحقوقية والمناضلين أن لا يتبنوا قضيتنا؟ كيف لهيأة الإنصاف والمصالحة أن تهمل النظر في أوضاعنا؟ أطلق سراح المعتقلين وعاد المنفيون وتم تعويض الضحايا، لكن الجميع غفل عن مصير ملايير المنفيين الرهائن في البنوك السويسرية وغيرها من البنوك.. كيف اهتم الناس بالبشر وتناسوا الثروة المنفية؟.. نحن لسنا طالبي لجوء، بل رهائن بالخارج، منفيون رغما عنا، مبعدون قسريا.. نريد العودة، فهل من تنسيقية أو منظمة أو لجنة تتبنى قضيتنا؟..

حكايتنا بدأت تقريبا منذ أن تم سك أول درهم مغربي بعد الاستقلال. محنتنا عرفت موجات متعددة، تارة بالتحايل علينا وتسفيرنا عبر البواخر او الطائرات التجارية، وتارة عبر طائرات خاصة، وفي أغلب الأوقات عبر الخطف…

كان زوار الفجر يرموننا في الأكياس ونتعرض للخنق ويرمى بنا في أقبية مظلمة باردة، قبل أن يتم شحننا بالليل نحو المطار. ليتم توزيعنا على معتقلات مختلفة، لندخل، بعد ذلك، غياهب النسيان…

نحن مجموعات، لكل مجموعة زيها الخاص، حسب سنة خروجها من دار السكة… حتى أننا كنا نجد صعوبة في التعرف على المنفيين الجدد، بالنظر للألوان والرسوم والأزياء الجديدة التي باتت تحملها الأوراق النقدية…

محنتنا أخطر من “درب مولاي الشريف” و” الكوربيس” و”اغبيلة” و”تازمامارت”… محنتنا أننا مبعدون قسرا عن بلدنا، عن أسواق وطننا، عن دفء جيوب أبناء وطننا… نحن وجدنا لخلق السعادة والرفاهية والرخاء، فإذا بنا نساهم في البؤس والفقر… خلقنا للتداول بين الناس وليس للاحتكار من طرف سجانينا…

اقرأ أيضا: المغرب ومحاربة الرشوة: إجراءات عدة… لا تأتي أكلها في الواقع والتصنيفات العالمية! 

مع طول سنوات المنفى، أصبحنا نتعرف على بعضنا من خلال الرائحة. أنا، مثلا، أنتمي لمجموعة السردين، لقوة رائحة السمك التي تنبعث منا. وهناك مجموعة التراب، التي تنبعث منها رائحة الأسمدة، وهي أكبر وأقوى مجموعة، حتى أن الطوابق التي تشغلها نبت فيها العشب. كما أن هناك مجموعة قوية جدا، يطلق عليها مجموعة “الدوخة”، نظرا للرائحة القوية المخدرة التي تنبعث منها، لدرجة أن الموظفين المكلفين بالحراسة بالبنك يستنشقون هذه الأوراق النقدية وتغمرهم السعادة والنشوة. وهناك مجموعة نسميها “الزاز”، أنيقة وبراقة لم تلمسها يد إنسان وكانت تأتي في حقائب جلدية فاخرة. دون أن ننسى المجموعة التي أطلقنا عليها اسم “ولاد النصارى”، لأنها لم تدخل قط للبلد بل كانت تأتي مباشرة من إحدى البنوك الدولية. وتظل أغرب مجموعة تلك التي تنعت بـ”ولاد لحرام”، كان الجميع يكرهها لأنها متأتية من مختلف الرشاوى، كانت مكروهة من طرف باقي المجموعات، رغم أنه لا ناقة ولا درهم لها في الأمر…

تصور يا ابن بلدي الصعوبات التي كنا نواجهها، أمام تنوع مصادر المنفيين، من أجل توحيد المجموعات للتعريف بقضيتنا. ومع ذلك، كنا ننجح. غير أن البنك الذي كنا محتجزين فيه كان يعرف، كل مرة، حالات طوارئ كانت تعصف بجهودنا. فهذا المنفى الفاخر كان يعرف حركة تنقيلات فجائية. أحيانا، كان يتم إفراغ بعض الطوابق ليتم نقل الملايير إلى منفى بعيد ببحر الكرايبي يسمى بالجنات الضريبية. وأحيانا أخرى، كان البنك يعرف بلبلة كبيرة بسبب استقدام منفيين جدد، مثلما وقع خلال السنوات الأخيرة. غير أن المنفيين الجدد كانوا يحملون رائحة كريهة مثل المازوط، لذلك أطلقنا عليهم اسم “سطاسيون”. وبسبب هذه الرائحة التي تزكم الأنوف، أصيب ملايير منا بالاختناق، ولولا تنبه سجاننا السويسري لاشتعلت النيران في البنك.

سقطت دمعة من صاحبنا، وقال مخاطبا ورقة الخمسين درهما: إنها مأساة حقيقية، أن يتم تكديس الملايير من عملة البلد في هذا المنفى السويسري، قبل أن يضيف: لماذا لم تطالبوا بالجنسية السويسرية للدفاع عن حق العودة. نطقت الخمسون درهم وكلها أسى: أنت لا تعرف حجم التواطؤات بين السجان السويسري والجلاد المغربي. لقد حاولت إحدى المنفيات الجدد، وهي شابة من فئة مائتي درهم وتجنست، لكن تم صرفها في الحين لشراء عطر فرنسي، فتاهت بين الأبناك والجيوب لينتهي بها المطاف في الخليج العربي، وهي الآن خادمة بإحدى البنوك هناك.

اقرأ لنفس الكاتب: سنة ونصف في ضيافة الزهايمر…

تنهد صاحبنا وأطلق زفرة عميقة وقال: طيب ما هو المطلوب مني الآن؟ بدورها تنهدت الخمسون درهم، المتهالكة بفعل الغربة الطويلة، وأجابت: نرجو أن تساعدنا على الهرب ودخول البلاد للقيام بحملة وطنية من أجل عودة المنفيين، الثروة المنفية… اعتدل صاحبنا في جلسته وأرخى رأسه إلى الخلف وحدق مطولا في سماء جنيڤ الملبدة.. أخذ نفسا عميقا وقال: سأكون صادقا معك، أنا مجرد أستاذ جامعي بسيط، جئت لقضاء العطلة عند أخي المهاجر. أنا لا أقوى على هذه المغامرة، لا تعرفون كيف تبدلت الوقت. في السابق، كانوا يعتقلون الناس بتهمة محاولة قلب نظام عملة الصرف. أما اليوم، فإذا خضت هذه المغامرة، فقد أحاكم بتهمة التخابر مع الفرنك السويسري أو التجسس لصالح الجنيه الإسترليني. والأخطر من ذلك، فليس ببعيد أن أتهم بمحاولة اغتصاب الليرة اللبنانية.

أخذت الأوراق النقدية جميعها في النحيب. تكهرب الجو، وشرع أستاذنا الجامعي، هو أيضا، في النحيب بصوت عال. صرخت الخمسون درهم: ولكن لا بد أن تفعل شيئًا، هذه قضيتكم أيضا، على الأقل اربط لنا الاتصال بمنظمة “أمنيستي” أو إحدى الصحف في البلاد. قفز أستاذنا الجامعي من مكانه مذعورا: أبدا، إلا أمنيستي، إلا أمنيستي. وظل يرددها حتى كاد أن يغمى عليه، قبل أن يواصل: انسوا، أيضا، أمر الصحافة، لو تعرفون ماذا يقع وكيف هو حال الصحافة، لفضلتم أن يتم صرفكم إلى العملة البنغلاديشية “التاكا”.

تعالت أصوات النحيب الجماعي، هذه المرة، بشكل قوي، وأصبح الجو كئيبا، جنائزيا. في هذه اللحظة، مرت شابة سويسرية شقراء، هالها حال صاحبنا الاستاذ الجامعي، جلست بجانبه ووضعت يديها بحنان فوق يديه ورأسه فوق كتفيها، وسألته: ياه، لهذه الدرجة أبكتك هذه الرواية؟ انتبه صاحبنا لوجود الفتاة والدفء الذي أخذ يسري في جسده، فقال لها: لا، الذي دوخني هو عطرك الفواح على بعد 100 متر. ابتسمت الشابة ودعته لتناول فنجان قهوة بالمقهى المجاور. تغيرت فجأة ملامح صاحبنا، وأفرج عن ابتسامة طفولية، وضع الكتاب الذي كان بين يديه جانبا على كرسي الحديقة ونسي إغلاقه، وانطلق…

وهما يبتعدان، وتكاد أصوات ضحكهما تسمع عن بعد، هبت ريح خفيفة قلبت صفحات الكتاب، الذي نسي صاحبنا أخذه معه، لتظهر صورة الغلاف… كان الأمر يتعلق برواية “1984”. استمرت الريح الخفيفة في تقليب صفحات الكتاب حتى استقرت عند صفحة كان صاحبنا قد وضع وسطها بعناية ورقة نقدية من فئة خمسين درهم مغربية، كعلامة على تذكر الصفحة التي توقف عندها. كانت الصفحة تتحدث عن «ROOM101».

عمر لبشيريت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *