إعلان

إفتتاحية

كاريكاتير

إعلان

إعلان

الرئيسية » تحقيقات » تقنين “الكيف” بصوت مزارعيه.. تحقيق من عمق معاناة منتجي “الذهب الأخضر”

تقنين “الكيف” بصوت مزارعيه.. تحقيق من عمق معاناة منتجي “الذهب الأخضر”

أحمد مدياني

 

كثيرون يتحدثون بالنيابة عنهم، فيما صوتهم لا يصل أحدا، أو يصل مشوشا. هم أيضا يخافون الكلام، لأنهم يدركون أنهم يقفون في منطقة شديدة الخطورة والتوتر، وأنهم مشروع “سجين” في أي لحظة، بسبب العلاقة المتلبسة مع القانون والدولة، و تداعيات التاريخ والجغرافيا، والنظرة إليهم.

“تيلكيل عربي” انتقل إليهم ليسمع صوتهم المكتوم، والخائف، والمتشكك في سياق نقاش سياسي بشأن تقنين “الكيف”. يقول إن “الكل يتحدث عنهم وباسمهم، لكن لا أحد يستمع لهم”.

لم تكن مهمة الوصول إليهم ولقائهم سهلة. وحتى إن وصلت إليهم ستكون أمام مهمة عسيرة لانتزاع ثقة مفتقدة في كل “غريب” خوفا من انتقام كامن ومحتمل،فهم يعتبرون أنفسهم متابعين في “حالة سراح مؤقت”، وسيبقون في مأمن ما داموا لم يتجاوزا حدود مدار “دردارة”، حيث تطرق أبواب إقليم الشاون وتشق جبال جماعاته نحو إقليم الحسيمة.

هم مزارعو “الكيف” الذين لا يسمع صوتهم وسط ضجيج المزايدات السياسية على معاناة يحصدون منها الفتات والسجن، ويضخون في المقابل الملايير في حسابات كبار الوسطاء و”البزناسة”، كما يراهم معظم السياسيين والمنتخبين مجرد وقود لحملاتهم الانتخابية وخزاناً لملء صناديقها.

“البلدية”، “كريتيكال”، “الرومية”، “خرادلة”، “المكسيكية”… “مركات مسجلة” من مخدر “القنب الهندي” أو “الكيف” كما يسميه المغاربة. أنواع ألفت تربة الأرض هنا الجود بها دون غيرها، لكن كيف سيكون مصيرها ومصير من يحصدها بعد وضع مشروع قانون تقنين زراعتها وتسويقها؟

في قمم الجبال، حيث تختبئ أراضي “الكيف”، هناك التقى “تيلكيل عربي” مزارعين وعاملين في الحقول. استقى شهادات حول تراجع عائدات “الذهب الأخضر”، والأسباب وراء ذلك. استمع إلى من يصيحون بالمعاناة ويرفضون تنزيل تقنين الزراعة والتسويق دون تحديد حدودها وسعرها، كما حاور العارفين بتاريخ زراعته،  كما أخذ آراء النشطاء الحقوقيين والمنتخبين من التحولات التي يمكن أن يحملها مشروع التقنين.

التحديد قبل التقنين

صباح يوم الخميس 25 فبراير الماضي، شرع “تيلكيل عربي” بمقهى تقع وسط مدينة شفشاون، تحديدا عند الساحة التاريخية “وطاء الحمام”، في البحث عن منفذ يوصل إلى مزارعي “الكيف”.

عند الوصول إلى مركز “باب برد”، تم الموعد الأول مع أحد الشباب المزارعين، وأول ما نطق به: “أنا أشدد على التحديد قبل التقنين، من أجل معرفة المناطق المسموح لها بزراعة (الكيف) وتسويقه”.

نفس العباراة سوف تتكرر على لسان كل من جالسهم “تيكيل عربي” وطرح عليهم موقفهم من مشروع القانون الحكومي لتقنين زراعة “الكيف” في المغرب.

ويفسر الشاب هذا الموقف بالقول: “هناك أقاليم أخرى، مثل وزان وتطوان وتاونات، أدخلت زراعة (الكيف) مؤخراً فقط، وهي تتمتع بمناطق فلاحية شاسعة وموارد مائية وفيرة، وإذا سمح لها بزراعة العشبة سوف تتضرر المناطق التابعة لإقليم شفشاون والحسيمة، وهي المناطق المعروفة تاريخيا بهذه الزراعة”.

ويضيف: “أفضل الفلاحين يملكون أو يكترون 300 متر مربع، وفي حالات تجدها متفرقة بين الجبال، لا يمارسون أي نشاط فلاحي مواز، عكس الفلاحين في باقي الأقاليم، الذين يملكون معدات وإمكانات للرفع من كمية المحصول”.

بعد مركز “باب برد” بعشرات الكيلومترات، يقع مركز “بني رزين”، وبدروه يعرف انتشارا واسعاً لأراضي “الكيف”. قرب مركزه الصحي، التقى “تيلكيل عربي” شابة في مقتبل العمر، عرفت بمرافعاتها القوية، رغم صغر سنها، لصالح المزارعين في المنطقة.

قبلت الفاعلة الجمعوية والحقوقية دنيا بوقشقوش الحديث بوجه مكشوف، ومرد ذلك أن “زراعة (الكيف) في المنطقة ليست جريمة، بل هو إرث تركه جدها، وبعده الأباء، وكل الأسر هنا تكسب قوت يومها من محصوله”.

الفلاحة هنا مقتنعون أنهم ضحوا بحياتهم وعائلاتهم وحريتهم في سبيل أرض تنجح فيها زراعة القنب الهندي فقط، ولا يمكن أن يزاحمهم آخرون عليها بعد تقنينها

وترى الشابة الحقوقية أنه “بظهور الأصناف الجديدة للقنب الهندي تضررت (البلدية)، أي النبتة المحلية، وأصبح من الصعب العثور على بذورها. كما سهلت الأصناف الجديدة من انتشار زراعة (الكيف) في مناطق خارج الإقليم”.

وتشدد المتحدثة ذاتها على أن “الفلاحين يرفضون استمرار توسيع زراعة (الكيف) على مناطق خارج إقليمي شفشاون والحسيمة”، وحجتها في ذلك أن “تعميمها يضر بمصالح من عانوا بسببها لسنوات”.

“الفلاحة هنا مقتنعون أنهم ضحوا بحياتهم وعائلاتهم وحريتهم في سبيل أرض تنجح فيها زراعة القنب الهندي فقط، ولا يمكن أن يزاحمهم آخرون عليها بعد تقنينها”، تقول الشابة دنيا قشقوش.

كما تتثير الانتباه إلى أن “نقاش تقنين زراعة (الكيف) كان موسميا مع قرب الحملات الانتخابية، لكن نتمنى بما أنه مطروح على طاولة الحكومة أن يكون الواقع مغايرا الآن، وأن لا يستغل مزارعو (الكيف) مرة أخرى”.

بمقهى حجز ركن شاسع منها لنقاش هذا الموضوع، تحلق العشرات من مزراعي “الكيف” حول “تيلكيل عربي”، أصغرهم في العشرينات، وأكبرهم يبلغ من العمر خمسة وستين سنة.

إقليم شفشاون والحسيمة وحدهما لهما الحق في هذه المرحلة نقاش التقنين، والتفاوض حول السعر الذي يجب أن يعتمد

هذا الأخير يكرر نفس العباراة “لا تقنين بدون تحديد”، ويتفق معه البقية. أحدهم بنبرة حادة يصيح: “أنا رسكيت بحياتي وحياة عائلتي لسنوات من أجل العيش، وباش نوصل المحصول للمشتري رسكيت وتجنبت الحبس بجميع الطرق، ما يمكنش دبا منين يجي التقنين نصبح متساوي مع آخرين يملكون الأراضي الشاسعة ومياه السقي والطرق المعبدة إلى مناطقهم الزراعية”.

شاب آخر لا يتوقف عن فرك فروة رأسه وهو يتحدث، يعتبر أن “إقليم شفشاون والحسيمة وحدهما لهما الحق في هذه المرحلة نقاش التقنين، والتفاوض حول السعر الذي يجب أن يعتمد”، ويرى الشاب أن ما يطرحه “نوع من الإنصاف للساكنة والمنطقة”.

مؤشر أحمر لبورصة “الذهب الأخضر”

ليس وحده تحدي تحديد الأراضي التي سوف يرخص لأصحابها بزراعة “الكيف” ما ينتظر مشروع قانون التقنين عند منعرجات الأقاليم التي تنتج “الذهب الأخضر”، بل يدفع المزارعون هنا بضرورة نقاش الأسعار، والأخذ بعين الاعتبار أنهم “تضرروا من تراجع أسعار الغرام والكيلوغرام” منذ أزيد من عشر سنوات، وإلسبب من وجهة نظرهم “اتساع المساحات المزروعة مقابل تشديد قيود التسويق، أو غض الطرف عنه إن صح التعبير”.

وحسب المزارعين الذين التقاهم “تيلكيل عربي” بمركز “باب برد”، فإن “حرث أرض مساحتها 300 متر مربع يتطلب ساعتي عمل بالجرار، ويوما ونصف اليوم باستخدام المحراث اليدوي. كما يحتاج قنطاران من السماد و3 أيام من الاشتغال على الأرض. وكلما أردت محصولا أوفر، يجب أن توفر السقي بكثرة وسمادا بجودة عالية، واهتماما يوميا بالأرض، وكل هذا تستخلص منه ما يقارب 4 كيلوغرام ونص من مخدر (الشيرا)”.

انتشار زراعة “الكيف” في مناطق أخرى تسبب في تراجع ثمن الكيلوغرام من ما بين 8000 آلاف و10 آلاف درهم إلى 1500 درهماً

وحسب المتحدث ذاته، “ما توفره المحاصيل منذ سنوات، ومن مختلف الأصناف، لم يعد يغطي مصاريف الحرث والإنتاج”.

ويجمع المزارعون الذين التقاهم “تيلكيل عربي”  على أن “انتشار زراعة (الكيف) في مناطق أخرى تسبب في تراجع ثمن الكيلوغرام من ما بين 8000 آلاف و10 آلاف درهم إلى 1500 درهماً”.

كل المصادر  تكرر نفس الرقم بخصوص السعر الحالي لما ينتج عن “الكيف” وما يجنيه المزارع من كمية سنوياً، إذ يجمعون على أن “سعر الكيلوغرام الواحد لا يتجاوز في المنطقة 1500 درهماً، وأفضل محصول يعطي ما بين 4 و20 كيلوغراما في السنة الفلاحية الواحدة”.

معدات استخراج مخدر “الشيرا” من نبتة “الكيف” – ياسين التومي

كما يصرح المزارعون أن “المزارع يصرف اليوم 8 ملايين سنتيم في السنة الفلاحية لربح 7 مليون سنيتم، إذا ما استطاع تصريفها في السوق دون أن تحجز  أو تتلف في المخازن”.

“أبلغ من العمر 65 سنة، واشتغلت في الأرض سبعة وخمسين سنة. ورثها عن الوالد الذي عاش أزيد من مائة سنة، وأستغلها في زراعة (الكيف) منذ 19 عام بعد وفاته، ليس لدينا البديل، وفي هذا الوضع نحن نمارس التهريب أكثر مما نمارس نشاطا فلاحيا يستفيد منه الوسطاء والتجار الكبار والأجانب”، يقول المزارع داخل المقهى، حيث اجتمع “تيلكيل عربي” بالمزارعين.

عدد منا أصبح يفضل حرمان أبنائه من التمدرس لتوفير المصاريف، وأحمل هنا المسؤولية للأحزاب السياسية في انتشار بذور “الكيف” ووصولها إلى خارج إقليمي شفشاون والحسيمة

ويضيف: “منذ أكثر من عشر سنوات بسبب انتشار زراعتها في مناطق أخرى، تراجعت قيمة (العشبة). قبل عشر سنوات كنا نشغل الآلاف، ولأن الخدام يكلف 150 درهماً في اليوم، عدد منا أصبح يفضل حرمان أبنائه من التمدرس لتوفير المصاريف، وأحمل هنا المسؤولية للأحزاب السياسية في انتشار بذور (الكيف) ووصولها إلى خارج إقليمي شفشاون والحسيمة”.

المزارع الغاضب، والذي يكرر دعوته لزيارة المنازل بالمنطقة للوقوف على حال سكانها، يقترح أن يتبادلوا المواقع  مع الفلاحين في الغرب والجنوب”، ويقول: “كيشوفونا وقانعينهم أننا لباس علينا بسبب (الكيف) و(الحشيش)، أجي يتبادلو معنا، ونسمحو ليهم في الأرض والسكنة، ويلا عندنا شي أملاك هنا حتى هي نسمحو فيها”.

ويشدد المتحدث ذاته بدوره على أن “الأراضي هنا لا تصلح سوى لزراعة (الكيف)”. هنا يقاطعه مزارع آخر قائلاً: “جربت لخمس سنوات زراعة البصل وأشجار الزيتون، لم تفلح الزراعة، وحتى الوصول لمياه السقي الجوفية أصبح يتطلب الحفر في عمق يتجاوز الـ100 متر، وما يكلف ضخها من غاز ومحروقات يضاعف مصاريف الاستثمار في الأرض”.

مزارع آخر يصرح أنه حاول زراعة شجر الأفوكا، واشترى الشتلة الواحدة بـ150 درهماً، لكن لم تعط الغلة رغم ما صرف عليها لسنوات. ليعود المزارع ذو الـ65 سنة ويقول: “راه الأرض ما بقات كتجيب والو، وبسببها هازين غير التهمة”.

بداية انقراض بذور الكيف المحلية، وارتفاع ثمنها، والشتلات التي دخلت من الخارج رغم وفرة محصلوها إلى أن تكاليفها باهظة

المزارعون هنا يشتكون أيضاً من بداية انقراض بذور الكيف المحلية، وارتفاع ثمنها، ويكشفون أن الشتلات التي دخلت من الخارج رغم وفرة محصلوها إلى أن تكاليفها باهظة، ويشتكون أيضاً من أن تخزين “الكيف” أصبح يساوي السجن.

المزارعون مقتنعون أن “التقنين لن يحمل الحل”. لماذا؟ يجيبون: “إذا توقفت المخاطر في هذا المجال، ومنع الاستهلاك، لن يتراجع الربح فقط كما هو حاصل اليوم، بل سوف ينتهي”. كما أنهم مقتنعون، أيضاً، بأن “زراعتهم مرتبطة بما يستطيع الوصول إلى الضفة الأوروبية”، ويصرحون في هذا الصدد: “راه مع الأوروبيين كنا تناكلو الخبز، أما الاستهلاك الداخلي فهو ضعيف، وزاد ضعفاً بسبب الأخبار اليومية عن حجز ما ينتج من (الكيف)”.

منذ 2005 أقنعنا الأوروبيون، خاصة من هولندا، بالشتلات الجديدة، لكن مع دخولها أصبحوا هم من يتحكمون في السوق

وبخصوص خطر انقراض “الكيف البلدية”، يعترف أحد المزارعين بأنهم “وقعوا في بداية دخول الأصناف الخارجية ضحية الطمع في محصولها الوفير”.

ويتابع: “منذ 2005 أقنعنا الأوروبيون، خاصة من هولندا، بالشتلات الجديدة، لكن مع دخولها أصبحوا هم من يتحكمون في السوق. (خردالة) كنا نبيعها بـ8000 درهم للكيلوغرام الواحد، لكن اليوم صعب جدا الحصول على بذورها، وتباع بأثمنة باهظة في أوروبا، كما أن مصاريف سقيها وسمادها باهظة جداً”.

ويجمع المزارعون على أن جميع أصناف “الكيف”، باستثناء “البلدية” التي يتهافت عليها الوسطاء والتجار، تراجع ثمنها، حتى “الرومية” التي كان يباع ما يستخرج منها من مخدر “الشيرا” بما بين 10 إلى 15 درهماً للغرام الواحد، تراجع سعرها إلى درهم واحد للغرام. وسعر العود (أي سبولة الكيف)، تراجع سعرها حسب الأصناف مما بين 100 و200 درهماً إلى 40 درهماً فقط.

بدورها، تصرح الفاعلة الجمعوية والحقوقية دنيا بوقشقوش، أنه “خلال السنوات الأخيرة تضررت الفلاحة إلى حد كبير بسبب حملات الدرك والسلطات على تخزين وتسويق (الكيف)”.

المستوى المعيشي للأسر تدهور، والسبب أن سعر الكيلوغرام لم يكن ينزل في السابق عن سقف ما بين 7000 إلى 8000 آلاف درهم للكيلوغرام الواحد، والآن لا يتجاوز 1500 درهم للكيلوغرام

وتضيف: “(الكيف) تحول إلى عبء ثقيل على الفلاحين بالمنطقة، ورغم وعود التقنين يجب أن يصبّ في صالح المواطن”.

كما تؤكد، من جهتها، أن “المستوى المعيشي للأسر تدهور، والسبب أن سعر الكيلوغرام لم يكن ينزل في السابق عن سقف ما بين 7000 إلى 8000 آلاف درهم للكيلوغرام الواحد، والآن لا يتجاوز 1500 درهم للكيلوغرام”.

وتشرح أن “مداخيل (الكيف) تتقسم على مجموعة من الأفراد من نفس الأسرة، بسبب تناسل ورثة الأراضي، ومحصول السنة يصرف نصفه من أجل تأمين محصول السنة التي بعدها، وأي حجز لكمية لدى مزارع تعني مباشرة لجوءه لاقتراض المال أو كراء جزء من أرضه، وهناك مزارعون دخلوا في هذه المتاهة ولم يخرجوا منها، ومنهم من انتحر، آخرهم رب أسرة لم يستطع تأمين مصاريف الدخول المدرسي لأطفاله”.

ماذا يقترحون؟

وبخصوص السعر ولمن سوف يبيعون محاصليهم، وما موقفهم من مقترح التعاونيات الذي حمله مشروع قانون التقنين، يجمع المزارعون على ضرورة الجلوس معهم، ويرفضون أن يتم استقدام أشخاص من خارج الإقليم وغير مقيمين فيه لرئاسة التعاونيات أو تسييرها.

التعاونيات في المنطقة، من خلال التجربة مع النسيج الجمعوي عموماً، قلة منها فقط نجحت

في هذا الصدد، يقول رئيس المجلس الإقليمي لإقليم شفشاون عبد الرحيم بوعزة، في حديث لـ”تيلكيل عربي”، إن “التعاونيات في المنطقة، من خلال التجربة مع النسيج الجمعوي عموماً، قلة منها فقط نجحت”.

ويضيف: “يمكن تصنيفها لصنفين، الأول تعاونية أنشأها من يملكون إمكانية الولوج للمعلومة والعلاقات مع المسؤولين، وأخرى تتخبط في اليومي”.

وبخصوص وجود تعاونيات مرتبطة بمنتجات مرتبطة بزراعة “الكيف”، توجد في الأسواق، خاصة في قطاع التجميل، يوضح رئيس المجلس الإقليمي أن تلك المنتجات “لا علاقة لها بتعاونيات، سواء تعلق الأمر بـ(الكيف) أو مشتقاته”.

ويشدد عبد الرحيم بوعزة على أنه “من أجل التأسيس لثقافة التعاونيات في (الكيف)، لا يمكن إغفال نسبة الأمية التي تتجاوز 68 في المائة بالمجال القروي. من الصعب تأسيس تعاونيات دون توعية المزارعين، خاصة على المستوى المعرفي، ويجب وضع آليات لتجاوز هذا الوضع، وإلا سوف نسقط في ما يطرح حول قدوم أناس من خارج الإقليم وترأس هذه التعاونيات واستغلالها”.

وفي ما يعلق بتحديد أسعار “الكيف”، يعود المتحدث ذاته إلى أن “التحديد هو الذي سيحفاظ على مصالح الفلاحين في المناطق التاريخية لـ(الكيف)، لأن العرض سوف يكون قليلا، مقابل الطلب، وبذلك ستكون أثمنة الشراء مناسبة”.

التعاونيات لم تكن من ثقافة المزارعين في المنطقة، وبدأت تظهر خلال السنوات القليلة الماضية، وذلك بدعم من مصالح وزارة الفلاحة، بعد تراجع مداخيل “الكيف”

ويتابع: “السكان ينتظرون، قبل أي نقاش عن التسويق والزراعة والرخص، ما الذي ستفعله الدولة تجاه تحديد مناطق زراعة (الكيف)، كما أنهم متخوفون من تحديد سعره من طرف الجهات التي سوف تتدخل لشراء المحصول. يجب وضع معايير ليعرف المزارع ما سوف يجنيه، خاصة ما يتعلق بقياس الجودة. وأعطي هنا مثالا بزراعة الشمندر، التي لا يستطيع فيها الفلاح تحديد قيمة جودة محصوله عندما ينقله إلى الشركة التي تشتريه، ولا يمكن إدخال مزارعي (الكيف) بالنظر إلى خصوصيته في هذه المتاهة واستغلالها”.

بدورها، ترى الشابة الحقوقية بوقشقوش أن “التعاونيات لم تكن من ثقافة المزارعين في المنطقة، وبدأت تظهر خلال السنوات القليلة الماضية، وذلك بدعم من مصالح وزارة الفلاحة، بعد تراجع مداخيل (الكيف)، إذ لجأ مجموعة من الفلاحين لتفويت أراضيهم في إطار الكراء للتعاونيات”.

أحد المزارعين الذين جالسهم “تيلكيل عربي”، يصرح بأنهم مستعدون لأداء الضرائب للدولة، شريطة تحديد أسعار مناسبة لمحصولهم. ويقول في هذا الصدد: “إذا أعطتنا الدولة أو الجهة التي سوف تشتري منا المحصول أكثر من 8 دراهم للغرام الواحد، فنحن مستعدون لتأدية الضرائب عن الأرباح”.

شاب آخر يعمل مع أسرته في حقول “الكيف”، يطرح فكرة مضمونها أن تفرض الدولة على رؤوس الأموال التي ترغب في الاستثمار في القطاع إنشاء وحدات صناعية ومختبرات بالمنطقة، ويرى من وجهة نظره أنه “لا يجب التعامل مع المنطقة من منطلق ضيق، أي تركها في دائرة الإنتاج فقط، لأن هذا الوضع لن يغير من المستوى الاجتماعي فيها. إذا تم استغلال (الكيف) داخل وحدات إنتاجية داخل الإقليم سوف نخلق فرصاً للشغل، ونحقق القيمة المضافة، كما سيمكن هذا الاختيار من توظيف خبرة وتجربة المزارعين والاستفادة منها بالمقابل، وهذا دخل إضافي مهم”.

فكرة الشاب طرحها “تيلكيل عربي” على رئيس المجلس الإقليمي لإقليم شفشاون عبد الرحيم بوعزة، وحول ما إذا كان هذا الطرح حاضراً في نقاشات المسؤولين والمنتخبين بالمنطقة، ليجيب: ” إنشاء استثمارات في البحث العلمي وإنتاج مشتقات (الكيف) بالمنطقة مهم، وسوف يقدم نتائج ملموسة، عوض الاكتفاء بالتعامل معها كمنتجة فقط”.

كما يثير المزارعون ضرورة حل ملفات المنازعات حول ملكية الأراضي، ويؤكدون أنه هناك قضايا كثيرة رائجة في المحاكم، بل ارتكبت جرائم القتل والضرب والجرح بسببها. ويقترحون أن تتدخل الدولة بإطلاق برنامج للتحفيظ والتسجيل العقاري المجاني للأراضي، مع الوقوف على مشكل امتلاك مزارعين لأراضي متفرقة في الجبال، وبحكم هذا الواقع يرون أن نجاح التعاونيات سوف يكون صعبا خلال السنوات الأولى.

الشكايات المجهولة.. والعفو الشامل

“عندما كان الاتحادي عبد الواحد الراضي على رأس وزارة العدل، شكلنا وفداً من أعيان الإقليم، ترأسته، وكان موضوع اللقاء الضرر الذي يلحق بسكان إقليم شفشاون بسبب الشكايات المجهولة المرتبطة بزراعة وحيازة (الكيف)”، يقول الحسن ابن القائد مسعود المزياني، الذي يبلغ من العمر 85 سنة، وهو أحد قدماء أعضاء جيش التحرير، وتقلد مناصب ومسؤوليات بمجموعة من الجماعات الترابية بالمنطقة.

“السيد الوزير، راه وصلنا لدرجة أن الرجل إذا أعجبته فتاة وتقدم لخطبتها، ورفض والدها تزويجها له، يتقدم ضده بشكاية لدى الدرك الملكي، يتهمه فيها بحيازة (الكيف)”

ماذا قال الحسن ابن القائد مسعود المزياني لوزير العدل حينها؟. “السيد الوزير، راه وصلنا لدرجة أن الرجل إذا أعجبته فتاة وتقدم لخطبتها، ورفض والدها تزويجها له، يتقدم ضده بشكاية لدى الدرك الملكي، يتهمه فيها بحيازة (الكيف)” أو زراعته، وحتى لي شبع من شي عيلة، يطلقها بلا ريال بلا جوج بنفس التهديد”.

هذا الوضع، كما يصفه سكان المنطقة، خاصة من مزارعي “الكيف”، يدفعهم للدفع بضرورة إصدار عفو شامل على المزارعين الموقفين أو الملاحقين بتهمة زراعة وحيازة “الكيف”.

وتقول الناشطة الحقوقية دنيا بوقشقوش بخصوص هذا الملف، إن “من بين ما يجب أن يرافق التقنين هو تأهيل البنى التحتية، خاصة الطرق، لكن قبل الشروع في تنزيل مشاريعها يجب إقناع المواطنين هنا بأن ربط دواويرهم بالمسالك الطرقية لا يعني حصارهم أو تسهيل عمليات المداهمات الأمنية، لأنهم يرون أن أي مشروع يهم الطرق هدفه فقط استهداف أراضي ومخازن (الكيف) في الجبال”.

وتذهب المتحدثة ذاتها حد الحديث عن أن “المشاريع التنموية ورؤس الأموال تخاف من الاستثمار في المنطقة بسبب (الكيف)”.

وتتابع في السياق ذاته، أن “العفو عن الفلاحين الذين اعتقلوا على خلفية زراعة (الكيف) وتخزينه مدخل أساسي ورئيسي في نجاح التقنين وتقبله في المنطقة. لا يمكن أن نغفل أن منع هذه الزراعة يعني مباشرة انتشارا أوسع للفقر وتدهورا لمستوى معيشة الأسر، وتلاحظون كيف أن معدل الانتحار في إقليم شفشاون مرتفع بالمقارنة مع أي منطقة في المغرب، وتم تسجيل 7 حالات إنتحار موثقة منذ بداية العام 2021 فقط”.

العفو عن الفلاحين الذين اعتقلوا على خلفية زراعة “الكيف” وتخزينه مدخل أساسي ورئيسي في نجاح التقنين وتقبله في المنطقة

وتشدد الشابة الحقوقية: “نحن لسنا ضد القانون، لكن يجب أن تراعي الدولة واقع المواطن في هذه المناطق. هنا نعيش الخوف والتهديد بالسجن، (الكيف) تحول خلال السنوات الأخيرة لورقة ضغط وانتقام من الفلاحين، والشكايات المجهولة في أغلبها محركها تصفية حسابات”.

وتحدثت عن أن “التضييق على زراعة (الكيف) وتخزينه ارتفع خلال السنوات العشر الأخيرة، وخلال العامين الماضيين زاد التشديد بشكل رهيب”.

هل فعلا هناك فلاحون لم يستطيعوا تصريف مخزونهم؟ تجيب المتحدثة ذاتها: “نعم، مؤخرا فلاح أعرفه شخصيا باع محصوله بأقل من الثمن المتداول اليوم بكثير، لأنه لم يعد يجد أي مورد رزق لإعالة أسرته. راه وصلت فينا للعظم”.

رئيس المجلس الإقليمي لإقليم شفشاون يعتبر أن “الهمّ اليوم هو إخراج المجال الترابي الذي نمثله من الأزمة التي يعيشها. مؤشرات التنمية في الإقليم كلها مضاءة باللون الأحمر. في التعليم أضعف نسبة تمدرس، الهدر المدرسي مرتفع، الأمية مرتفعة وفي تزايد، حالات الانتحار نسجل أعلى معدل وطني، فرص الشغل تراجعت بشكل مهول، والولوج للخدمات يكاد يكون منعدما في مجموعة من المناطق رغم كل البرامج والمشاريع المهيكلة التي أطلقت”.

نحن نطالب بأن تتصالح الدولة أولا مع المنطقة، وثانيا رد الاعتبار لساكنتها، لأنها عاشت لسنوات في الخوف بسبب زراعتها لـ”الكيف”

ويضيف المتحدث ذاته: “نحن نطالب بأن تتصالح الدولة أولا مع المنطقة، وثانيا رد الاعتبار لساكنتها، لأنها عاشت لسنوات في الخوف بسبب زراعتها لـ(الكيف). المزارعون يحصلون على قروض لحرث الأرض وزراعتها، ويشغلون أسرهم، ومهددون بفقدان المحصول في أي لحظة بسبب شكاية مجهولة، أضف إلى ذلك مشاكل ملكية الأراضي وتعسف بعض المسؤولين عليهم باستغلال وضعهم”.

ويعتبر رئيس المجلس الإقليمي لشفشاون أن “زراعة (الكيف) في المنطقة يراها الجميع، من الدرك إلى السلطة وأعوانها والمنتخبين والمسؤولين. هذا واقع لا يمكن القفز عليه، لذلك لماذا يستمر توقيف المزارعين بسبب شكايات مجهولة. هناك ازدواجية في التعامل من طرف الدولة”.

ويختم المنتخب وصفه للوضع في المنطقة بالقول: “البلاد واكلا العصا. وترقيم السيارات (43 – أ – …) الذي يشير للمنطقة، بعد المدار الطرقي (دردارة)، يعتبر تهمة”.

داخل مخازن “الكيف”

لم تكن المهمة لتكتمل دون الوصول إلى الأراضي حيث يزرع “الكيف”، وإن كانت هذه الفترة مخصصة لحرث الأرض، وأيضاً دخول مخازنه، والوقف على مجموعة من الشهادات التي جاءت على لسان مجموعة من المزارعين.

وكلما طرح “تيلكيل عربي” على من التقاهم من المزارعين مقترح الصعود إلى الجبال حيث توجد الأراضي والمخازن، قفز التردد وانخفضت درجة حرارة النقاش، واعتلت الوجوه ملامح الريبة والعيون تقول دون أن تنطق الألسن: “أشنو باغين هادو من غير ما قلناه لهم”.

ومرة أخرى، وبعد جهد جهيد، وإعادة إطلاق سلسلة المفاوضات لكسب الثقة، قبل مجموعة من المزارعين ولوج بعض المخازن وزيارة بعض الأراضي. كلهم يضعون شرط ترك السيارة الخاصة بـ”تيلكيل عربي” بعيدة، وانتظار وصول المرافق لنقطة بعيدة متفق عليه مسبقاً.

مسالك طرقية وعرة، ومع الضباب الكثيف يومها تزيد صعوبة تحديد الوجهة ما بين مواصلة الصعود نحو الجبل، أو انجراف نحو الهاوية. ترويد مقود السيارة طيلة رحلة الصعود دون أن يقودك للهلاك ليس مهمة سهلة، والوصول إلى هنا إنجاز في حد ذاته لمن لم يخوضوا الرحلة أكثر من مرة.

أحد مخازن “الكيف” بالمنطقة – ياسين التومي

الأراضي مجهزة لاستقبال موسم زراعي جديد لـ”الكيف”، ويصرح أحد المزارعين الذين حل “تيلكيل عربي” بأرضه، أنه صرف أموالا إضافية هذا العام لضمان الوصول إلى المياه الجوفية، وتجاوز الحفر الـ100 متر.

مزارع آخر لم ينته بعد من تجهيز بضاعته من مشتقات “الكيف”، وافق على دخول المخزن. أكياس بلاستيكية ضخمة يحفظ المخزون داخلها، مجسم أشبه بالطبل بعصيه التي لفت بورق لاصق رمادي اللون، وميزان على طرف المخزن لوزن ما جادت به “العشبة” من “ذهب أخضر” في اليوم.

يقول المزارع: “الخدام يجب أن ينتج كيلوغراما ونصف الكيلو في اليوم، وإلا فهو غير محترف، ولأن هناك مخاطر في هذه المرحلة من الإنتاج، نختار أياماً بعناية لتجهيز المحصول، والسرعة في الأداء ودقته مهمة جداً”.

وماذا عن مخلفات عملية تجهيز المنتوج، يشرح المزارع أنهم يوجهونه لعلف الماشية والدواجن.

الملاحظ من خلال زيارة “تيلكيل عربي” لمخازن “الكيف” بالمنطقة أنه ورغم انتهاء موسم الحصاد الذي ينطلق ابتداء من شهر يوليوز وينتهي المتأخر منه شهر أكتوبر، فإن البضاعة متواجدة بكثرة.

“تيلكيل عربي” طرح السؤال حول الأسباب وراء صعوبة تسويقها، وكان جواب المزارعين الذين رافقهم أنه “بالإضافة إلى كل الأسباب التي تطرقوا لها في السابق، أزّمت الظروف والإجراءات التي أفزتها جائحة (كورونا)، وفرض حالة الطوارئ، من الوضع. بالإضافة إلى تشديد المراقبة على المسالك البرية والبحرية، ما جعل زبناء (الكيف) يتخوفون من شرائه”.

تاريخ “الكيف”.. ما بين التشدد والمهادنة وموقف ملوك المغرب

“من لا تاريخ له، لا حاضر ولا مستقبل له”. حكمة يمكن أن تلخص ما سيرد على لسان المعمر العارف بتاريخ “الكيف” بالمنطقة الحسن ابن القائد مسعود المزياني.

التقنين هو وجهة نظر الدولة، لكن نحن هنا في المنطقة لنا وجهة نظر أخرى يجب أن تسمعها وتأخذ بها

يقول في مدخل سرده لمجموعة من الوقائع التي عاشها، إن “التقنين هو وجهة نظر الدولة، لكن نحن هنا في المنطقة لنا وجهة نظر أخرى يجب أن تسمعها وتأخذ بها. وضع من يأكلون قوتهم من زراعة (الكيف) تراجع كثيرا، بل أقول لكم أنهم بقاو شيطين”.

وبالنظر إلى التاريخ، من وجهة نظر الحسن ابن القائد مسعود المزياني، فإن إقليمي شفشاون والحسيمة خاضا معارك على (الكيف) ضد الإسبان. “سبق وواجهتنا شركة التبغ الإسبانية حتى وصل الأمر في وقت مضى إلى الاتفاق معها على شرائها للمحصول من المزارعين، ودام الاتفاق سنتين فقط، قبل أن يتوقف، مع فرض السماح باستمرار زراعته وتسويقه”.

وبعد الاستقلال، يضيف المتحدث ذاته، “مرة أخرى وجدت المنطقة نفسها في مواجهة شركة التبغ. وهنا قام وفد من المنطقة كان ضمنه والدي، بزيارة الملك الراحل محمد الخامس، وطرحوا عليه معانتهم، ومع بداية حقبة الاستقلال رخص لهم الملك الراحل بالعودة والاستمرار في زراعته إلى حين إرساء الإدارة المغربية والبحث عن حل. وفي عهده لم تتعرض المنطقة لمداهمات أو اعتقالات بسبب زراعة (الكيف) أو تسويقه”.

ولما تولى الملك الراحل الحسن الثاني العرش، يتابع الحسن ابن القائد مسعود المزياني، في سرده للوقائع التي عشاها، “عادت مرة أخرى حملات السلطات ضد مزارعي (الكيف)”.

وهنا، يقول إنه “بعدما ارتفعت حدة تدخلات السلطات والدرك، وأدت لاعتقالات، قمت أنا بكراء 3 حافلات وجمعت 200 شخصا من أعيان القبائل التي تزرع (الكيف)، وتوجهنا إلى الرباط للقاء الديوان الملكي ووزير الداخلية ووزير العدل، وحينها كان حسني بن سليمان كولونيل في الدرك الملكي، وبدوره رفعنا له شكاية ضد حملات الدرك على المزارعين”.

استقبلنا أحرضان رفقة شخص آخر اسمه حدو أبرقاش، ثم خاطبنا قائلا: إن الملك يأمرك بالعودة إلى دياركم وحرث أرضكم، ولن يدخلها أحد، ولن تتم مداهمة منازلكم

ويسترسل المتحدث ذاته، الذي استضاف “تيلكيل عربي” ببهو فندق بمدينة شفشاون، أنهم وبعد وصولهم إلى الرباط، “الراحل المحجوبي أحرضان هو من توسط من أجل إيصال احتجاجنا إلى الملك الراحل الحسن الثاني”.

ويوري عن تفصايل الواقعة وما ترتب عنها، أنه “بعدما اعتصمنا أمام باب السفراء، تحلق حولنا عدد كبير من رجال الأمن. وبعد تدخل الراحل أحرضان، تفرقنا، واتجهنا نحو مقر الأمانة العامة لحزب الحركة الشعبية، هناك استقبلنا رفقة شخص آخر اسمه حدو أبرقاش، ثم خاطبنا قائلا: إن الملك يأمرك بالعودة إلى دياركم وحرث أرضكم، ولن يدخلها أحد، ولن تتم مداهمة منازلكم”.

ويرى الحسن ابن القائد مسعود المزياني، الشاهد على فترات المد والجزر في تعامل الدولة مع زراعة “الكيف” وتسويقه، أن الغرض من سرد هذه الوقائع والأحداث هو “ضرورة استخلاص الدروس والعبر منها، من طرف من يدبرون هذا الملف اليوم، وكيف كان الملوك يتعاملون مع شكاياتنا”.

ماذا وقع بعد وعد الملك الراحل الحسن الثاني الذي كلف المحجوبي أحرضان بنقله؟ دائما على لسان الحسن ابن القائد مسعود المزياني: “بعد فترة، بدأت ظاهرة الشكايات المجهولة ضد مزارعي (الكيف)، وهنا انطلقت حملة اعتقالات، ووقعت خلال هذه الفترة حادثة غريبة، وهي تقديم شكاية بشخص لما أوقفه الدرك الملكي، طلب منهم قبل اقتياده إلى سرية الدرك المرور بمقر رئاسة الدائرة، وعندها أشهر هويته بأنه باشا المنطقة، والشكاية المجهولة ضده كيدية فقط… عشنا فترات عصيبة جداً”.

هل سبق لكم وفاوضتم ممثلي الدولة والعدل والقضاء في المنطقة بخصوص وضع المزارعين؟، “نعم”، يجيب الحسن ابن القائد مسعود المزياني، ويسرد هنا واقعة حصلت، إذ “في عهد العامل سليمان الحداد، زارنا مدير شركة التبغ قادما من الدار البيضاء، وكان معهم عامل من وزارة الداخلية اسمه أحمد شبيشب، وعقدنا لقاء حول (الكيف)، وهنا أخبارناهم بصريح العبارة أن (الكيف) إرث من الأجداد، وهو أرحم من السجائر، وإذا أردتم أن نتوقف عن زراعته توقفوا أنتم عن إنتاج التبغ”.

كما يكشف أنهم راسلوا الحكومة في عهد تقلد الراحل عبد الرحمان اليوسفي لمنصب الوزير الأول، وطلبوا منه التدخل لإنصافهم.

ويضيف في السياق ذاته، أنه “خلال هذه الفترة، عقدنا لقاء مع الوكيل العام للملك بتطوان، وكنت رئيسا للوفد، وهنا قال الوكيل العام إنه يطبق القانون، وخاطب أحد أعضاء الوفد الذي ينتمي لحزب الاتحاد الاشتراكي بأن يتحدث مع الراحل اليوسفي بما أنه يقود الحكومة، وإذا أمر وزيره في العدل بعدم اقتحام المنازل سوف أقوم بذلك. ثم وعدنا بعد انتهاء اللقاء بأنه سيأمر وكيل الملك في شفشاون بأن لا يدخلوا المنازل قبل التأكد من أن (الكيف) مخزن فيها، فأجبته مازحا أن (الكيف) داخل كل منزل في الإقليم. صراحة، بعد لقائه رخف علينا شي شوية”.

لا يمكن أن يتنافس مزارعو “الكيف” في شفشاون والحسيمة مع مزارعين في أقاليم وزان وتاونات وتطوان، لأن هؤلاء يملكون أراضي شاسعة

ويلخص الحسن ابن القائد مسعود المزياني الوضع بأنه “الآن (الكيف) تراجعت مداخليه. لدينا 15 جماعة تطل على البحر الأبيض المتوسط ترابها لا يعطي أي محصول، و12 جماعة على الطرف الآخر من الجبال، ونفس الشيء بالنسبة لإقليم الحسيمة. أجدادنا حاولوا دون إكراه من أحد تغيير زراعة (الكيف) بزراعات أخرى، لكن لم ينجحوا”.

كما يشدد على أنه “لا يمكن أن يتنافس مزارعو (الكيف) في شفشاون والحسيمة مع مزارعين في أقاليم وزان وتاونات وتطوان، لأن هؤلاء يملكون أراضي شاسعة، والبنى التحتية عندهم أفضل، وقريبون من موارد مياه السقي. إذا عممت زراعته على مناطق أخرى سوف يموت الناس هنا جوعاً…”.

وبخصوص موقفه من التقنين وإنشاء التعاونيات وتحديد الأسعار، وما إذا كان تعويض الاستعمالات الطبية لـ”الكيف” سيغطي ما يدره من أرباح في سوق الاستهلاك. يجيب الحسن ابن القائد مسعود المزياني، بشكل مباشر وصريح: “التقنين شحال غادي يعطينا المخزن، 100 درهم للكيلو في العود (يعني سبولة الكيف)، غير كافية، أنا أقترح أن تعود الأمور كما كانت، وهي زراعة نصف الأرض بـ(الكيف)، والنصف الآخر مدعم من طرف الدولة بزراعات أخرى، على أن يكون سعر (الكيف) متفاوضا عليه مع مصالح الدولة، ولا يترك المزارع ضحية من يتحكمون في سوق العرض والطلب”.

وعن إنشاء التعاونيات، عبّر عن تخوفه من هذا الحل. ويقول: “أنا خائف. كانت عندنا تجربة مع شركات التبغ، وكانت تتلف نصف المحصول عندما تحصل عليه، لتستفيد هي تقلبات العرض والطلب في السوق”.

ويختم الحسن ابن القائد مسعود المزياني جلسته مع “تيلكيل عربي” بالقول: “الملك الراحل الحسن الثاني سبق وقال خلال فترة الثمانينيات، هذه العشبة كانت محصورة في مجموعة من المناطق، ولما انشغلنا بالصحراء، انتشرت، نهار يجي الوقت نجمعو ليها رجليها، ديك الساعة ندويو مع ماليها”.

وأنا بدوري، يبوح شاهدنا، “إذا وقفت أمام الملك محمد السادس سوف أقول له، إن أرضنا لا تجود بأي شيء ولا يعجبها أي شيء غير عشبة (الكيف)… جربنا القمح، جربنا الأشجار المثمرة، جربنا البصل … (العشبة) كبرنا بها ونأكل منها، ونصرف على أولادنا منها، المسالك الطرقية فتحناها بما جنيناه من تسويقها، بل المساجد في الإقليم شيدت بمداخيلها وأدت أجور أئمتها”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *