إعلان

إفتتاحية

كاريكاتير

إعلان

إعلان

الرئيسية » تحقيقات » مصائر رجال عصف بهم القرب من المربع الذهبي للسلطة..حين تأكل الدولة خدامها

مصائر رجال عصف بهم القرب من المربع الذهبي للسلطة..حين تأكل الدولة خدامها

كانوا في قلب صناعة القرار، وعلى رأس مؤسسات كبرى في الدولة، أو أسندت لهم مهام حساسة أو وظائف سامية، فظلوا سندا للسلطة المركزية، يقدمون لها الخدمة مقابل تفويض السلطة والجاه والارتقاء الاجتماعي والنفوذ.

 

ثم فجأة، وجدوا أنفسهم مغضوبا عليهم، أو منبوذين أو مهمشين، ليس بسبب مواقفهم السياسية المعارضة، أو لاختلافهم مع صانع القرار السياسي والاقتصادي بالمملكة، ولكن لغضبة أطاحت برؤوسهم من أعلى مراتب المسؤولية، أحيانا بشكل غامض، دون حتى أن يُعرف السبب لدى عموم الرأي العام. فيما وصلت ملفات بعضهم إلى ردهات المحاكم وتفجرت قضاياهم في الصحافة الوطنية والدولية، بل منهم من صدرت في حقهم أحكام وسجنوا لمدد طويلة، وآخرون تبدلت مواقعهم فما عادوا من الخدام المنعمين. وبينما اختارت قلة منهم اتخاذ مواقف مناهضة، توارى أغلبهم في غياهب النسيان.

 

من حسن أوريد الناطق الرسمي باسم القصر الملكي، إلى إدريس البصري الذي أقيل وأصبح منبوذا، فبنعلو مدير المطارات الذي وجد نفسه في السجن، وحفيظ بن هاشم المدير العام للأمن الوطني ثم سجان المملكة الذي جرفته حادثة البيدوفيلي الإسباني كالفان، وإلياس العماري الذي أزيح في لحظة واحدة من قيادة حزب الأصالة والمعاصرة ورئاسة جهة طنجة تطوان الحسيمة، واختفى بذات السرعة التي بزغ بها نجمه، ووزراء تمت التضحية بهم كقرابين في لحظة الحراك الاجتماعي بالريف، إلى محمد زيان الذي كان بالأمس يحتمي بمظلة الكبار من رجالات الدولة في مربع القرار ووصل إلى تولي حقيبة وزارة حقوق الإنسان، وفجأة وجد نفسه خارج الإطار واختار أن يتخندق ضد جل القضايا التي قادتها الدولة التي سيصبح من معارضيها، فأصبح محط هجمات وردود فعل السلطة.

 

قبله كان الجنرال دوكور دارمي حميدو لعنيكري الرجل القوي في قلب صناعة القرار، والذي احتل مراتب كبرى في الأجهزة الأمنية السرية للمملكة ومديرا عاما للأمن الوطني، لكن انتهى به المطاف إلى تعيينه في مراتب أقل حتى إقالته بسبب أخطاء قيل إنه راكمها في قلب الأجهزة الحساسة. وأخيرا مصطفى الباكوري الأمين العام السابق لحزب «البام» والمدير العام السابق لصندوق الإيداع والتدبير ثم مدير الوكالة الوطنية للطاقات المتجددة «مازن»، الذي مازال ملفه قيد سرية التحقيق بعد أن شملته غضبة ملكية ومُنع من السفر إلى الخارج ومن المتوقع أن تستمع إليه الضابطة القضائية بسبب تهم لم تتضح معالمها بعد.

 

فهل يتخلى المخزن عن رجالاته بسرعة؟ وما هو السياق الذي تحول فيه بعض خدام الدولة من مرضي عنهم إلى مغضوب عليهم؟

 

خدام الدولة بين الولاء والاستحقاق الشخصي

 

بالعودة إلى التاريخ المعاصر، نجد أن الولوج إلى الخدمة المخزنية كان يمر عبر قنوات عديدة بينها الحسب والنسب لعائلات خدمت المخزن وظلت محط ثقته، حيث يمنحها المناصب السامية مقابل وفائها وخدمتها، فتحصل – عبر مختلف المناصب التي تتحمل مسؤوليتها – على الثروة والسلطة والنفوذ. هذه العائلات الكبرى التي وقف عندها بالتفصيل مصطفى الشابي في كتابه «النخبة المخزنية في مغرب القرن 19»، ومنها عائلات اشتهرت إما بعلمها أو بتجارتها أو بخبرتها العسكرية ظلت تتوارث مهام ومسؤوليات محددة لعقود طويلة في البلاط السلطاني، مثل عائلة بركاش، برادة، التازي، الخطيب وبن سودة… لكن لم تكن الأصول وحدها ما يشفع لأفراد هذه العائلات ليصبحوا من خدام المخزن ويحتلوا المناصب العليا في مراكز القرار داخله، إذ إضافة إلى الولاء للسلطة المركزية، لا بد من تقديم الخدمة والنجاعة في القيام بالوظائف المسندة، لذلك تمكن العديد من الأشخاص من الوصول إلى أرقى مراتب خدام الدولة دون أن تكون لهم أصول نسب شريف ولا عائلات كبرى ولكنهم أبرزوا حنكة ودراية و«مخدومية» استثنائية ونجاعة في حل القضايا وإدارة الملفات، بل إن بعضهم جاؤوا من أسر هامشية مجهولة مثل «با حماد» الذي سيصبح الصدر الأعظم والحاكم الفعلي في بداية عهد السلطان مولاي عبد العزيز، وعائلات ابن يعيش والفشار وإدريس البصري. ويعتبر إلياس العماري النموذج الأبرز في زمننا هذا على وصول بعض الأفراد إلى مرتبة خدام الدولة السامين دون أن يكون من العائلات الكبرى أو ذا خبرة في الجيش أو التجارة أو حاصل على مستوى تعليمي عال. لكن كل هؤلاء كانوا يعبرون كيان الدولة ثم يزولون كخدام لأسباب متعددة لتبقى بنية الدولة وحدها، فكل من عليها فان.

 

كل من عليها فان إلا …

 

الثابت الوحيد هو الدولة والشخص المركزي الخالد في السلطة هو الملك، والباقي زائل ومتغير، أي أن السلطة مستمرة وخدامها متغيرون. تلك حقيقة لا يختلف حولها اثنان باعتبارها من الخصائص المميزة للنظام السياسي للمملكة. في لحظات عنيفة من التاريخ المغربي، كان يتم التخلص من رجالات الدولة الكبار من قبل خدام المخزن المنافسين بسبب دسائس القصور وصراعات الصقور داخلها، أو من الذين انقلبوا على السلطة المركزية، بالإبعاد والتتريك كما نكبة آل الجامعي، وحتى بالسجن والتعذيب أو بالتصفية الجسدية والقتل كما حدث مع الجنرالين أوفقير والدليمي، كاسمين بارزين. أما اليوم فالسلطة المركزية تأكل أبناءها عبر العزل والمحاكمة والإبعاد وصولا إلى السجن. بدا ذلك جليا مع حسن أوريد أحد أصدقاء الملك في الدراسة، والذي كان ناطقا رسميا باسم القصر الملكي ثم واليا على جهة مكناس، حتى الإبعاد النهائي من دائرة خدام الدولة المرضي عنهم. ثم وصل الأمر إلى المحاكمات الشهيرة لتقنوقراط كانت لهم حظوة لدى السلطة وأبرز مثال على ذلك بنعلو مدير المطارات الذي زُجّ به في السجن، ثم علي الفاسي الفهري الذي كان على رأس المكتب الوطني لتوزيع الماء الصالح للشرب ثم أسندت له مهمة رئاسة الجامعة الوطنية لكرة القدم ومسؤولية المكتب الذي أدمج فيه الماء والكهرباء، وبسرعة البرق هوى نجمه بعد أن شملته غضبة ملكية عاصفة، وصولا إلى إبعاد إلياس العماري الذي ركن إلى الصمت والغياب، فمنع مصطفى الباكوري من السفر خارج المغرب وعرضه على النيابة العامة. المشترك في قضية خدام الدولة المنبوذين هو أن جلهم أزيح من السلطة ومن مراكز القرار وأبعد بصمت دون تفسير أحيانا كثيرة، وهو ما جعل الإشاعات تتناسل والتقديرات تتفاوت، مما يدل على عطب كبير في مجال حق الرأي العام في المعلومة وبُعد ربط المسؤولية بالمحاسبة. لكن ما حدث على عهد محمد السادس تميز أكثر باستخدام هذا البعد الدستوري، فتواتر الإبعاد من المسؤولية ببلاغ رسمي من الديوان الملكي كما حدث لحظة الزلزال السياسي الذي أطاح بخمسة وزراء ومسؤول سامي والعديد من موظفي الداخلية الكبار.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *