نهاية السياسة.
كانت السياسة دوما وعاء للمجتمع و المنتسبون إليها مناضلون حتى النخاع في جبهة الدفاع عن قضايا المواطنين بإحساس وطني رفيع و بنبض إنساني و وجداني موغل في الصوفية و القيم النبيلة.
و المنتسبون قلة و خاصة على رؤوس الأصابع و الإشهاد منذورون لهذه المهمة مهما كلف الأمر من ثمن الترهيب و الملاحقات و ضريبة السجن و الاعتقال القسري التعسفي و الاغتيال و الاختطاف في الأقبية و المعتقلات السرية.
لم يكن للسياسة عناوين نحو الكراسي الوتيرة أو نحو المصالح و الامتيازات و لم تكن مجرد هواية و تزجية للوقت أو بحثا عن تزلف و تقرب من دوائر مربع السلطة بل السياسة عقيدة مؤمن بالتغيير و بالقفزة و الطفرة بالتدافع مع قوى مقاومة التحول و جيوب مكافحة الثورة المجتمعية و المركب المصالحي المعاكس للإرادات و لأي عقد اجتماعي أو مشروع مجتمعي.
و منذ فجر الاستقلال و للسياسة معنى الجهاد الأكبر بعد جهاد التحرر الأصغر بقيادة الحركة الوطنية في مواجهة جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية الفديك و شكلت هذه القطبية الثنائية متلازمة المد و الجزر بمسميات أخرى حتى أصبحنا إزاء واقع آخر من الممارسة بعدما انتهى عهد الزعامات التاريخية و القيادات الكاريزمية و انتهى زمن الإعلام الحزبي المعبر عن الهواجس و الاختلاجات و سقطت الأقنعة الحزبية في المختبرات الحكومية و بعد استنفاذ التجريب لكل الأحزاب و الإيديولوجيات.
وصلنا إلى الباب المسدود و النفق المظلم مع آخر دفعة من التقنوقراطيين بقبعات حزبية لتنزيل نموذج تنموي خرج على التو من الثلاجة رأسا إلى الفرن في مطبخ لم يقدم بعد الوصفة السحرية الشهية بعد عامين من تقديم الأطباق المثيرة للجدل.
انتهى بنا المطاف بعد محطات فارقة و حارقة و تجارب مفصلية بعد التناوب و دستور 2011 إلى انعطافة الكفاءات و مقاربة النوع بما قد يعني و يفيد ان السياسة اليوم قد قطعت الصلات مع الكثلة الصامتة و صارت السياسة تعبيرا عن الدولة الوطنية بما قد يفضي إلى القول بنهاية تاريخ السياسة بالمفهوم الذي عشناه مع المهدي و علال و بلافريج و عبد الله ابراهيم و بنسعيد و اليوسفي و بوستة و دخلنا عهد السياسة الإجرائية المؤدية إلى الحائط!!!
