الخطاب السياسي المغربي بين بنكيران وأخنوش: تباين الأسلوب وتكامل الهشاشة

0

العتوبي عبدالاله “باحث في سوسيولوجيا الهشاشة والحياة اليومية”

 

في زمن تتسارع فيه الأحداث، وتتعمق فيه الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، يبدو أن الخطاب السياسي المغربي لم يعد قادراً على مواكبة إيقاع الواقع. فسواء في الأغلبية أو المعارضة، تتجلى ملامح هشاشة خطابية بنيوية تكشف ضعفاً في الرؤية، وضبابية في المشروع المجتمعي، وانفصالاً متزايداً عن نبض الشارع.

 

وإذا كانت المقارنة بين خطاب عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، وخطاب عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، تبرز تبايناً في الأسلوب واللغة، فإنها في العمق تكشف عن أزمة واحدة: أزمة مضمون سياسي فاقد للاتجاه والمصداقية المجتمعية.

 

بنكيران، خطاب الحميمية بلا مشروع:

 

منذ صعوده إلى المشهد السياسي، اختار بنكيران خطاباً شعبوياً، مباشراً، قائماً على اللغة العامية والمرجعيات الدينية، ما جعله قريباً من قطاعات واسعة من المغاربة. لكن هذا القرب لم يكن مجانياً، بل حمل في طياته فخاً مزدوجاً: من جهة، غذّى التلقي العاطفي، ومن جهة أخرى، ساهم في تضخيم صورة الزعيم بدل صورة الدولة.

 

كثيراً ما كان بنكيران يوجه رسائل مشحونة بالعاطفة، كقوله: “عفا الله عما سلف”، أو وصفه للوضع الاجتماعي بعبارات ساخرة تثير الضحك أكثر من التحليل. وعلى الرغم من تمكنه من شحن الجماهير، إلا أن خطابه افتقر إلى الأفق المؤسساتي الذي يحوّل الأفكار إلى سياسات فعالة.

 

أخنوش، خطاب أرقام بلا روح :

 

في المقابل، يتبنى عزيز أخنوش خطاباً تكنوقراطياً بارداً، يقوم على سرد الإنجازات بالأرقام، دون محاولة التأثير في الوجدان الجمعي أو الاعتراف بألم المواطن. في أكثر من مناسبة، ظهر رئيس الحكومة وكأنه يُخاطب لجنة خبراء دوليين، لا شعباً يعاني من غلاء الأسعار وتدهور الخدمات.

 

وإذا كان خطاب أخنوش يبدو عقلانياً ومنظماً، فإنه يفتقر إلى ما يسميه علماء الاجتماع بـ”الرأسمال الرمزي”، أي القدرة على خلق تمثلات جماعية تمنح للسياسة معناها ورمزيتها. لذلك، فقد تحوّل إلى موضوع دائم للسخرية في الفضاء الرقمي، باعتباره بعيداً عن الواقع اليومي للمغاربة.

 

خطابين لنفس الأزمة:

 

ورغم اختلاف النبرة، فإن كلا الخطابين يعانيان من غياب الرؤية الواضحة لمستقبل البلاد. بنكيران يعبئ دون حلول، وأخنوش يُدير دون إقناع. كلاهما يعجز عن تشكيل خطاب يحمل بعداً مجتمعياً، يدمج بين الإصغاء للشعب وتقديم البدائل القابلة للتنفيذ.

 

بتعبير أنطونيو غرامشي، نحن أمام فقدان للهيمنة الثقافية لدى النخب السياسية، التي لم تعد قادرة على قيادة وعي جماعي نحو مشروع مشترك. والحال أن بناء خطاب سياسي فعّال لا يتطلب فقط بلاغة لغوية أو حسابات تقنية، بل تواصلاً صادقاً، شفافاً، يربط بين العقل والوجدان.

 

تجديد الخطاب أم تجديد النخب؟

 

إن أزمة الخطاب السياسي المغربي ليست مجرد أزمة تواصل، بل هي مرآة لأزمة أعمق في بنية الحياة الحزبية والنخب السياسية. والخروج من هذا المأزق يتطلب أولاً الاعتراف بالفشل في إقناع المواطن، ثم الشروع في إعادة بناء جسور الثقة عبر خطاب يحمل وضوحاً، جرأة، ووعياً تاريخياً يربط بين طموح الدولة وانتظارات المجتمع.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.