التموقع السياسي.. حين تتحول الديمقراطية إلى مزاد للوجاهة
في خضم التحولات السياسية التي يعرفها المشهد الوطني، يطفو على السطح سؤال محوري: هل ما نعيشه اليوم هو فعل سياسي حقيقي قائم على المبادئ والبرامج والكفاءة؟ أم مجرد تموقعات شخصية في سباق محموم نحو المناصب والمكاسب والاعتبار الاجتماعي؟
التموقع السياسي، كما يتجلى في راهننا، لم يعد ترجمة لحضور فكري أو التزام نضالي داخل حزب أو مشروع جماعي، بل أضحى أسلوباً انتهازياً يركب على المال والنفوذ، ويُستثمر في شبكة من الولاءات والترضيات، حيث شراء الذمم بات أسهل من إقناع العقول، والحصول على التزكية لا يمر عبر نقاشات فكرية أو سير ذاتية حافلة بالعطاء، بل عبر حقائب مملوءة أو مآدب موسمية.
ما نلاحظه أن “التموقع” تحول إلى غاية في حد ذاته، يبدأ من الصراعات الداخلية على التزكيات، ويمر عبر تجييش الحشود وتوظيف الإمكانيات، لينتهي بصعود أسماء لا تحمل من السياسة إلا صورتها الخارجية، بينما تغيب الكفاءة، ويُقصى أصحاب البرامج والأفكار والمواقف الجريئة. إنها دورة إعادة إنتاج “أصحاب الشكارة”، أولئك الذين يرون في السياسة مجالاً للاستثمار وليس خدمة للشأن العام.
إن أخطر ما في هذا النمط من “التموقع”، أنه يُفرغ السياسة من جوهرها النبيل، ويحوّل الانتخابات إلى سوق نخاسة، يتبارى فيها الأعيان والوجهاء في استمالة الناخبين بالمساعدات اللحظية، في غياب تام لأي مشروع حقيقي للتغيير أو البناء. وفي هذا السياق، تصبح العملية الانتخابية مجرد طقس شكلي، يُمنح فيه الفوز لمن يملك أكثر، لا لمن يستحق أكثر.
ويبدو أن الأحزاب السياسية، للأسف، لم تعد مهتمة بمن يحمل خطاباً مقنعاً أو رؤية إصلاحية، بقدر ما تهتم بمن يستطيع تمويل الحملات وتزيين الصور وملء القاعات. لقد أصبحت ديمقراطيتنا رهينة بنموذج مشوه من التمثيلية، لا يعبر عن هموم المواطنين بقدر ما يعكس توازنات المال والنفوذ داخل التنظيمات.
في النهاية، ما نعيشه اليوم هو شكل صارخ من “السياسة الميكيافيلية”، حيث الغاية تبرر الوسيلة، وحيث الكرسي هو الهدف الأسمى، أما الكفاءة والوطنية والنزاهة، فهي شعارات جميلة تُستخدم فقط للتزيين الإعلامي.
فهل نملك الشجاعة الجماعية لمساءلة هذا الواقع؟ وهل ستنهض الإرادات الصادقة لإنقاذ السياسة من مخالب التموقع الفاسد؟
أسئلة مفتوحة… والإجابات مرهونة بوعي الناخب أولاً، وبصحوة الأحزاب إن تبقّى فيها وعي سياسي حقيقي.
