نجم الدوار بالرحامنة بين الإقصاء والهيمنة: حين يغيب الهامش ويحضر النجم الجاهز

0

تحولت مسابقة “نجم الدوار”، في نسختها الأخيرة، من فضاء مفترض لاكتشاف المواهب الكامنة في الدواوير والعالم القروي بإقليم الرحامنة، إلى مشهد يثير أكثر من علامة استفهام حول معايير الاختيار ومنطق التمثيلية. فبدل أن تكون المنصة مرآة تعكس التنوع المجالي والاجتماعي، غاب أبناء الدوار فعليًا، وحضر حضور لافت ومكثف لجمعية واحدة احتضنت “نجومًا” من الثانويات التأهيلية، لتفرض واقعًا يطرح سؤال القصد: هل ما جرى كان محض صدفة تنظيمية، أم نتيجة تدبير بعمد وسابق إصرار؟

 

الأسئلة تتكاثر كلما تمعنّا في صورة المشهد. كيف لمسابقة تحمل اسم “نجم الدوار” أن تُقصي، بشكل شبه كامل، طاقات متجذرة في الدواوير والقرى، حيث تتوارى المواهب خلف متاريس الهشاشة وبعد المسافات وغياب الوساطة الثقافية؟ وكيف يُعقل أن يُختزل الإقليم، بما يزخر به من شباب وشابات يمتلكون بذور النجومية في الغناء والفكاهة والموسيقى وغيرها من التعبيرات الإبداعية، في تمثيل ضيق يُعيد إنتاج نفس الوجوه والأنماط؟

 

الأخطر من الإقصاء في حد ذاته هو تكريس منطق “النجم الجاهز”، الذي يأتي مُعدًّا سلفًا، محاطًا بالدعم والتأطير والتمكين، في مقابل “النجم المتواري” خلف التضاريس الاجتماعية والمجالية، الذي لا يجد طريقه إلى الضوء. فبدل أن تقوم المسابقة بدورها التنقيبي، فتغوص في العمق القروي لاكتشاف الإمكانات الخام، اختارت – أو هكذا بدا – الطريق الأسهل: نجوم مُهيَّؤون، جاهزون للعرض، ينسجمون مع متطلبات الفرجة السريعة، ولو على حساب روح الفكرة وأهدافها المعلنة.

 

كان الأجدر أن تتحول هذه المبادرة إلى ورش حقيقي للاحتضان والتكوين، تشرف عليه مؤسسات عمومية مختصة، وفي مقدمتها المركز السمعي البصري، بحضور إعلامي وازن بكل أنماطه، من أجل التسويق والإشعاع، وإبراز المؤهلات الفنية الكامنة في الهامش الرحماني. كان يمكن للمسابقة أن تكون لحظة عدالة مجالية ثقافية، تُنصت للهامش قبل المركز، وتمنح الصوت لمن لا صوت له، وتكسر منطق الاحتكار الرمزي الذي يجعل الإبداع حكرًا على من يمتلك القنوات والوسائط.

 

لكن ما حدث أعاد إنتاج مفارقة مؤلمة: جمعية مستأثرة تحضر بقوة، ودوار يُقصى بصمت؛ نجم يسطع لأنه مُهيَّأ، وآخر يختفي لأنه متروك خلف الأسوار. وبين هذا وذاك، تضيع فرصة حقيقية لتحويل الثقافة والفن إلى رافعة إدماج اجتماعي ومجالي، وتُختزل مسابقة كان يُفترض أن تكون جسرًا نحو الهامش، في منصة تُكرّس المركز وتترك الدوار خارج الأضواء.

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.