المصطفى المعتصم لبلاد بريس: واهم من يتصور أننا سننتقل من الوضع اللاديمقراطي إلى الوضع الديمقراطي من دون صراع وآلام وتضحيات ومن دون مقاومات لجيوب الضغط ولوبيات الفساد والريع ، هو خاطئ على طول الخط.

0

mus

حوار مكاشفة مع ذ.مصطفى المعتصمرئيس حزب البديل الحضاري المنحل.

 حاوره: 

    ــ    أحمد وردي ـ عبد الاله مطيع ــ عبد الكريم قوقي

 إلتقت بلاد بريس بالناشط السياسي مصطفى المعتصم الناشط السياسي و رئيس حزب البديل الحضاري المنحل و أجرت معه حوارا شاملا و ماسحا للجغرافيا السياسية. تحدثنا معه في كل التفاصيل الصغيرة و يحتفظ بالشيء الكثير في الذاكرة التي تختزن جراح الإعتقال و ظلم ذوي القربى الأشد مضاضة و تقاعس الحكومة عن التنزيل الحقيقي للدستور و هامش الحرية الذي يتمتع به المغاربة اليوم في حدوده الدنيا. و لأن حياته محاصرة بالعتمة و المناطق الظليلة أجرينا معه الحوار التالي:

س: صرحت في أحد الحوارات الصحفية أنك رفضت الانضمام لحركة   لكل الديمقراطيين بسبب مهندسها فؤاد عالي الهمة، رغم عدم معارضتك للهمة لممارسة السياسة، أيمكنك أن تنور الرأي العام أكثر عن هذه المسألة؟

 ج السيد الهمة مواطن مغربي من حقه ممارسة السياسة كأي مواطن مغربي آخر لكنه هو بالذات له وضع خاص فهو صديق الملك وبالتالي فإن ممارسة السياسة بالشكل التقليدي أي من خلال العمل الحزبي مثلا بامكانه التشويش على العملية السياسية برمتها ، وهذا ما أشارت إليه تقارير لسفارات تسربت من خلال وثائق نشرها ويكيليكس ، هذا الموضوع انتهى اليوم فالسيد الهمة يشتغل بالسياسة من الموقع المستشار الملكي وهذا هو الموقع الأنسب له .

 س: ارتبط اسمكم بقوة بملف “بلعيرج” و حكم عليكم بالسجن في محاكمة اشتهر عنها بأنها سياسية و لم تتوفر فيها شروط المحاكمة العادلة، و بعدها تم الإفراج عنكم بعفو ملكي فيما بقي بلعيرج رهن الاعتقال، حيث اعتبر الكثيرون أن إطلاق سراحكم هو نتاج بصفقة أبرمت مع المخزن، فكيف يمكنكم تفسير هذا التغير في مسار القضية بهذا الإفراج و كيف قبلتم بالعفو الملكي؟

 ج: ما قيل عن وجود صفقة يعود بالأساس إلى كلام نسبه موقع هيسبريس لزوجة بليرج وقيل أنها حملتني وأحد المعتقلين الآخرين على خلفية هذه القضية بعقد صفقة يتم بموجبها اطلاق سراحنا مقابل صمتنا ، هذا الكلام نفته السيدة رشيدة بليرج نفيا قاطعا وعممت نفيها على وسائل الإعلام والمواقع الإليكترونية من خلال شريط تضمن كلمتها في نشاط نظمته الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ببروكسيل والكلمة خلت نهائيا من أي كلام حول ما نشره الموقع المذكور . على كل حال نحن نعرف أن هناك من يريد الصيد في الماء العكر وكان الهدف هو دفعي للرد على سيدة مكلومة هي وأبنائها في زوجها وهو ما لم يتم ، امتنعت عن الرد وانتهى الأمر بالنسبة إلي . وصدقا لم أكن لأرد عليها حتى ولو قالت ما نسب أليها.

اعتقالي جاء في سياق وترتيب سياسي معين سقط مع حراك الشارع وأتمنى أن يكون المغرب قد طوى هذه الصفحة نهائيا. العفو الملكي اعتبرناه تصحيحا لما ارتكب في حقنا من تجاوزات وأخطاء ، ولكن يجب التنويه أن من طلب العفو الملكي هم بعض الحقوقيين ، ولم يكن لنا أن نقبل أو نرفضه ، وشخصيا فرحت بعودة الحرية وكنت متفائلا في أن يتم إطلاق العديد من السجناء السياسيين الآخرين سواء المتابعين في قضية بليرج أو في قضايا أخرى ،لكن للأسف الشديد أحداث سجن سلا عقدت المشكل.وأملي أن يتم في القريب العاجل تصفية ملف الاعتقال السياسي ببلادنا ويعود المعتقلين إلى ذويهم وأعمالهم .

 س: صرحت من خلال صفحتك على الفايسبوك أن زوجة بلعيرج بعثت لك برسالة تستنكر من خلاله ما نسب إليها من تصريحات حول الإفراج الصفقة،من في نظركم من مصلحته إثارة الموضوع في هذه الآونة بالذات ؟أم هي محاولة أمنية لفرملتكم سياسيا ؟

 ج: كما قلت السيدة بليرج نفت ما نسب إليها وأعتقد أن من كان وراء إثارة هذا الموضوع كان يستهدف الجز بنا في التنابز بالألقاب والاتهام والاتهام المضاد بغية شغلنا وشغل الرأي العام وإفشال كل مبادراتنا ونضالنا من أجل استرجاع حقوقنا، وأقول بهذه المناسبة للمتآمرين والمتواطئين ضدنا عبثا تحاولون فعندنا معركة أساسية هي معركة استرداد حقوقنا السياسية ولن ننشغل عنها بأي شيئ آخر .

 س: انقسم الرأي العام الوطني حول تداعيات خضوع المؤسسة الملكية للتعديل الدستوري ما بين مصرح بأنه استجابة للحركة الاجتماعية 20 فبراير و اقتناع المؤسسة من تلقاء نفسها بضرورة الخوض في هذه التجربة لتتلاءم و شعارات العهد الجديد، فما هي برأيكم المتغيرات التي طفت على المشهد السياسي في ظل الدستور الجديد و ما هي رهانات التغيير الذي ينشده المغاربة و حدود تقاطعها مع هذا الدستور؟

 ج: أقول للاتجاهين أي سواء أولائك الذين يقولون بأن الملك قد استجاب لمطالب لحركة 20 فبراير في هذا الشأن ، أو لأولئك الذين يقولون أن المؤسسة الملكية قد اقتنعت من تلقاء نفسها أن الوقت قد حان لإصلاح دستوري ، أقول لهم أن المهم هو أن المؤسسة الملكية بمبادرتها قد حاولت استيعاب الوضع والمطالب وحالت بعملها هذا دون انجراف المغرب إلى متاهات هو في غنى عنها كما انجرفت العديد من الدول العربية وهذا يحسب لها ، وما هو مطلوب اليوم بالنسبة لفرقاء المشهد السياسي هو تعزيز منسوب الديمقراطية في المغرب عبر رفع مستوى دمقرطة الدستور من خلال طرح قوانين تنظيمية ديمقراطية وتأويل ديمقراطي لهذا الدستور. المهم هو أن نراكم إيجابيا وهو أمر ممكن في ظل الدستور الجديد حيث تم احترام المنهجية الديمقراطية بتعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد في الغرفة الأولى وننتظر من الحكومة الحالية ومن رئيسها تحديدا أن يحترم مقتضيات الدستور الحالي ويزاول اختصاصاته الدستورية كاملة أو يستقيل ، ولن نقبل منه استمراره في الاختباء وراء العفاريت والتماسيح . نعم الدستور الحالي قد ابتعد عن الملكية التنفيذية المطلقة بعض المسافة ولو أنه لم يرقى إلى المستوى الذي كان ينتظره المطالبين بالملكية البرلمانية. يجب تفعيل الدستور الحالي تفعيلا حقيقيا وأكيد أن معيقات ومعيبات هذا الدستور ومحدوديته ستبرز مع الممارسة ولا شيء حينها يمنع من المطالبة بإصلاحه من جديد لتجاوز ما يعتريه من نقائص ونقط ضعف ، هكذا يكون التراكم الإيجابي . أنا مؤمن بضرورة إبقاء سؤال الديمقراطية مطروحا في النقاش العمومي حتى تستوي سفينة ديمقراطيتنا على جوديها، أنا من المؤمنين بالتعاقد المتجدد بين الحاكم والمحكوم وتجديد الدستور عبر إصلاحه قد يكون أساس هذا التعاقد المتجدد.

 س: الحكومة الحالية طغى عليها الخطاب الإصلاحي حتى أوهمت المغاربة بأنها هي المنقذة من الضلال إلا أنها و منذ توليها المسؤولية احتفظت بنفس خطاب الإصلاح دون أن تمارسه، كيف تتوقعون المغرب بعد فشل هذه الحكومة؟

 ج: وضعنا صعب ومشهدنا السياسي هش لدى أتمنى أن لا تفشل الحكومة الحالية لسبب وحيد هو أن فشلها قد يؤدي إلى ردة سياسية ولفراغ سياسي مهول بما يعيد البلاد إلى مرحلة الاضطراب . لكن المسألة ليست مسألة أماني، ذلك أن الحكومة الحالية تعاني من قلة الخبرة والتجربة، تمارس الحكم بعقلية المعارضة، تاهت لفترة من الزمن في التصريحات وتوضيح التصريحات وتصحيح التصريحات والتراجع عن التصريحات والاعتذار عن التصريحات، حكومة بطيئة في أدائها. الإصلاح ليس خطب وعظية ولا إعلان للنوايا، بل خطة وطنية تشرك الجميع لتنهض البلاد بكل فئاتها الاجتماعية وحساسياتها السياسية والنقابية والحقوقية والاقتصادية لمحاربة الفساد والمفسدين. والحرب ضد الفساد لن تكون سهلة لكون الفساد أصبح هيكليا، حراس معبده لوبيات الفساد والريع ونخب فاسدة أو لها قابلية غريبة للفساد. ومما زاد الطين بلة انخراط المغرب في سياق نهج نيوليبرالي يعتبر الفساد والجريمة المنظمة جزءا من إفرازاته بل وبنيته أيضا .

المغاربة الذي حجوا للتصويت على البرلمان أعطوا أغلبية أصواتهم لمن جعلوا لب برنامجهم الانتخابي الإصلاح ومناهضة الفساد. صوتوا بكثافة نسبية لصالح العدالة والتنمية، صوتوا للأمل في الإصلاح وهجروا الأحزاب التقليدية، و أي فشل للعدالة والتنمية قد يأتي ببدائل غير معنية بالعملية السياسية الديمقراطية ويهمها أن ترى إخفاقها وتعثرها.

 س: صرح رئيس الحكومة في العديد من المناسبات بأن علاقته بالملك جيدة و في مناسبات اخرى لم يستنكف عن الحديث عن وجود تشنجات و عن وجود تماسيح و عفاريت بالمحيط الملكي فما هو الثابت و المتحول في هذه العلاقة و حدود استمراريتها؟

ج: طبيعي أن تكون العلاقة بين الملك ورئيس الحكومة علاقة حسنة تتخللها تشنجات بين الفينة والأخرى ، فأثناء مزاولة المهام السياسية لا بد أن تتلبد سماء العلاقة بين أطراف المعادلة السياسية بين الفينة والأخرى لهذا الاعتبار أو ذاك خصوصا عندما يكون هناك لبسا في ممارسة الصلاحيات ،الخ، وليس هناك نظام سياسي في العالم لم يشهد مثل هذه الأمور بما في ذلك دولة رسول الله وصحابته ، وهذا ما يخبرنا عنه القرآن الكريم والسيرة النبوية العطرة في قضية الأنفال وأسرى بدر وصلح الحديبية ، الخ. وأعتقد أن رئيس الحكومة ووزرائه مطالبون بالتركيز على تدبير الشأن الحكومي والاهتمام بالإجابة على انتظارات الشعب المغربي عوض الانشغال بالتماسيح والعفاريت والانشغال بالمحيط الملكي والمستشارين الملكيين .

يجب أن يكون الثابت في العلاقة بين القصر والحكومة هي الحدود التي يرسمها الدستور لهذه العلاقة وأعتقد أن منسوب التقارب بين القصر والحكومة يجب أن يرتفع مع ارتفاع منسوب التوافق والأداء الذي يدفع المغاربة إلى الاطمئنان إلى المرحلة وشكل تدبيرها وحل المشاكل التي تهدد الكيان المغربي في أمنه واستقراره بفاعلية وجدارة واقتدار وسينخفض عندما تغرق البلاد في الصراعات و الدسائس والتصريحات غير المسئولة وقلة الفعالية والكفاءة والقدرة على المبادرة .

 س: يعتبر البعض أن محاكمة اكديم إيزيك ليست سوى مسرحية إعلامية أريد بها الرأي العام الحقوقي والسياسي الدولي لارتباط الموضوع بالقضية الوطنية،فيما اعتبرت أنت بحماسة زائدة أن المحاكمة سجلت تطورا ديمقراطيا ملموسا بالمغرب،رغم أن جهازنا القضائي الأكثر فسادا بشهادة الداخل والخارج، هل هي محاولة تغزل بالنظام؟

 ج: على سبيل التذكير بعض الناس قالوا عني حينما رفضت المس بعرض ودين وأخلاق الأميرة سلمى أنني أغازل القصر ونسوا أني استنكرت بشدة أيضا المس بشرف نادية ياسين و شرف تلك القيادية في العدل والإحسان بفاس لسبب بسيط هو أني أعتبر أعراض الناس وخصوصا النساء خط أحمر من مسه فكأنما مس شرفي . لا أبدا أنا لم أغازل أحدا ولم أقل أن المحكمة كانت عادلة كل ما في الأمر أني سجلت بالفعل تطورا ملموسا في تعاطي السلطات الأمنية مع الحدث من خلال ما عاينته في الصباح الذي انطلقت فيه المحاكمة ، دونت لحظات جميلة عشتها في مقهى bonne galette وهي مقهى توجد بما يقرب من 400 متر من المحكمة العسكرية . في ذلك الصباح رأيت بعض ممثلين عن الأجهزة الأمنية والصحافيين والحقوقيين وبعض المقربين من الضحايا وبعض أنصار البوليساريو وأمين عام المجلس الوطني كلهم مروا في نفس المقهى ، وعن بعد كان أنصار المتابعين وأهالي الضحايا يتظاهرون ويرفعون شعاراتهم من دون أن يمنعوا . هذا الأمر أفرحني وأشعرني أننا بإمكاننا أن نطور أدائنا نحو الأفضل ، نعم سجلت أن هذا تطور نوعي الذي أتمنى أن نعممه على كل محاكماتنا وليس فقط مثل هذه المحاكمة التي حظيت بمتابعة دولية واسعة . يقول البعض أن الأمر لا يعدو أن يكون مسرحية فلتكن إذن مسرحياتنا كلها متقونة الإخراج بديعة القصة . مشكلتنا أن مسرحياتنا القضائية وأنا عشت بطولة إحداها كانت دوما رديئة بئيسة الإخراج والنص . أعتقد أن السلطات قد تصرفت بالشكل المطلوب في مثل هذه الأمور وهذا شيء نسجله لها في هذه المرة بالقدر الذي سجلنا عليها تصرفاتها اللامسؤولة المشينة التي مارستها في مناسبات عديدة أخرى شبيهة بمحاكمة المتابعين في قضية مخيم اكديم إيزيك . لا يعني التصرف المحمود للسلطات في محيط المحكمة أو داخلها أن المحاكمة كانت عادلة ، أبدا ، كما لا يعني هذا أن قضائنا قد أصبح معافى ، أبدا. أنا مقتنع حتى النخاع وقلته بأعلى صوتي أن محاكمة المتابعين في قضية اكديم إيزيك ما كانت لتتم أصلا أمام قضاء عسكري بقوة النص الدستوري ، ومهما قلنا في المحاكمة وفي القاضي الذي ترأسها فهذه النقطة بالذات – أي المحاكمة العسكرية- تسيء إليها وإلى المغرب وقضية وحدته الترابية وأعطت لخصومه مناسبة للطعن في مصداقية قضائنا وفي قدرة المغرب على تدبير مسألة حقوق الإنسان بالشكل المناسب في الصحراء المغربية المتنازع حولها . أما في ما يتعلق بقضائنا فما زال بينه وبين الإصلاح مسافات ضوئية للأسف الشديد.

 س: كان لحركة 20 فبراير دور محوري وميكانيكي لتسريع وثيرة الإصلاحات بالمغرب ، تعامل معها النظام بدبلوماسية ماكرة لكبح طموحاتها السياسية وتحديد سقف المطالب ،هل تعتقد أن تولي حزب العدالة والتنمية لرئاسة الحكومة قد ساهم في إقبار الحركة أو قتلها إكلينيكيا ؟

 ج: هدف نضال الشعوب كان دائما هو انتزاع بعض السلطات من الحاكمين أو الأنظمة وردها للشعب وحركة 20 فبراير كانت محرضا أساسيا بالفعل في تسريع وثيرة الإصلاح خلال السنتين الأخيرتين ، لا يمكن أن ينكر هذا إلا جاحد ، كما لا يمكن أن ننكر أن النظام المغربي على خلاف العديد من الأنظمة العربية استطاع أن يتفاعل مع مطالب الشارع بسرعة مما أنعش الآمال الجماهيرية العريضة في الإصلاح . الحركة قامت بما تستطيعه حسب موازين القوى على الساحة ولا أعتقد أنه كان باستطاعتها أن تذهب أبعد مما ذهبت على الأقل لسببين ، الأول حالة الاستقطاب الحادة التي عرفتها هذه الحركة نتيجة لممارسات بعض القوى الداعمة لها ، والسبب الثاني نتيجة لضعف التأييد الحزبي خصوصا من طرف الأحزاب الكبيرة ( حجما وإمكانيات) التي توجست خيفة منذ اليوم الأول من هذه الحركة ولم تكن تشعر إزاءها بكثير من التعاطف . صحيح أن الإصلاح الدستوري ثم الانتخابات التشريعية التي مرت في جو غير مسبوق من النزاهة وتعيين حكومة يرأسها الحزب الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد بالبرلمان قد أعطى انطباعا عند الكثيرين أن أهداف الحركة قد تحققت وأن قدوم حكومة من صناديق الاقتراع قد أحيا الأمل في إمكانية أن تمضي هذه الحكومة قدما في الإصلاحات من دون الحاجة إلى احتجاجات الشارع ، كما زاد تعقيد الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية في الدول العربية التي عرفت تغييرا جذريا على هرم السلطة من هذا الانطباع ، الشيء الذي زاد في إضعاف دينامية الشارع وتراجع حركة 20فبراير.

 س: المصطفى المعتصم هل لا زلتم تعتقدون جميعكم رفاق البديل الحضاري بمشروعية مطلب الملكية البرلمانية كحل نهائي وملح لإخراج المغرب من عنق الزجاجة ؟

 ج: مطلب الملكية البرلمانية حل لإخراج المغرب من المشكل السياسي لأنه سيربط المسؤولية حقيقة بالمحاسبة ، ولكن في ما يخص المشاكل الاجتماعية والاقتصادية فأعتقد أن المشكل معقد جدا تزيده الأزمة الاقتصادية العالمية استفحالا والحقيقة أن لا حل لنا في إطار المسارات والاختيارات الحالية التي تتبناها الدولة المغربية أو تفرضها علينا المؤسسات الدائنة . أزمتنا الحالية هي من أزمة منظومة نيوليبرالية متوحشة وعولمة استعمارية عولمة الفقر والمشاكل .

 س: منذ خروجكم من السجن بعفو ملكي لم تذكروا الكثير من التفاصيل عن مرحلة وظروف الاعتقال وكيف كانت علاقتكم بباقي المعتقلين ؟ وما الذي لا زال عالقا بدهنكم عن هذه المرحلة؟

 ج: كان اعتقال ظالما والمحاكمة ظالمة حاولت وأحاول نسيان تلك المرحلة حتى لا تسجنني فيها وتسجن تفكيري، عزمت وأنا في السجن أن أنتصر على الظلم والظالمين وانفتح على المستقبل الذي أحلم به .لقد أنصفني التاريخ وأتبث أن كل ما كنت أقوله بشأن المسارات الخاطئة التي صار عليها المغرب منذ 2003 وخصوصا منذ 2007 قد تحقق ، انهارت مقولة أولوية الاقتصادي على الديمقراطية، وانهار النموذج التونسي البنعلي . وإذا كنت لا أتكلم عن هذه الفترة كثيرا فهذا لا يعني أنها لم تكن قاسية علي خصوصا في الأسابيع الأولى من اعتقالي ولكن ما ينتظر بلادنا أهم من أن أبقى اجتر مظالم تلك المرحلة وألعق جراحها . أما بخصوص علاقتي بباقي المعتقلين فإني كنت في عزلة طيلة فترة الاعتقال وباستثناء أيام المحاكمة لم تكن هناك فرص كبيرة للقاء معهم. أحب أن أنوه إلى أن أهم شيء تعلمته من هذه المرحلة هو أن لا أحد ضروري في هذه الدنيا التي ستستمر بنا أو بدوننا ، تعلمت أن الحياة تمر بسرعة وعلينا أن نستغلها من أجل تحقيق ما نحلم به وما نأمله لبلادنا وشعبنا.

 س: منعتم أخيرا من التسجيل في اللوائح الانتخابية ولا زالت مقرات الحزب مشمعة، رسالة رفض واضحة من النظام وأجهزة الدولة لاستمراركم في المجال السياسي، صراع خارج وزارة العدل والحكومة والمجالس الحقوقية، هل ستلتزمون الصمت أم ستختارون المواجهة حلا؟

 ج: ما معنى أن يكون المصطفى المعتصم الوحيد الممنوع من بين كل المعتقلين المفرج عنهم بعفو ملكي ومنهم متابعين في نفس الملف الذي كنت متابعا فيه ؟ يتزامن هذا مع امتناع الحكومة تسليمنا تبليغ رسمي بحل الحزب كي نلجأ للقضاء للطعن فيه وتقول لنا إذا لم تريدوا اللجوء إلى القضاء فبادرا إلى التأسيس ثم يمنعوني من التسجيل في اللوائح أي يمنعوني من أن نكون من بين المؤسسين للحزب باعتبار التسجيل في اللوائح الانتخابية شرط في التأسيس . إنه الحصار والظلم المستمر من طرف الحكومة الحالية التي تسعى إلى إتمام الجريمة التي بدأتها الحكومة السابقة. نحن لن نسكت عن هذا الظلم وهذا التأويل الغير الديمقراطي للدستور وهذا الإقصاء الممنهج ، اليوم نحن بصدد مبادرة سنعلن قريبا عن نتائجها للرأي العام وبعدها سيكون لكل مقام مقال. سنختار كل شيء إلا الصمت.

 س: بسبب ملف الإرهاب لا زال العديد قيد الاعتقال، كيف تقيمون دور الدولة في تعاملها مع هدا الملف؟ وما دوركم كمعتقل سابق في إثارة الانتباه لحل جدري لإطلاق سراح كل معتقلي الرأي وطي هدا الملف؟

 ج: ملف الاعتقال السياسي من الملفات التي سممت وتسمم الحياة السياسية ببلادنا وخصوصا حينما يرتبط هذا الاعتقال بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان كالتعذيب وفبركة الملفات واستعمال قضاء التعليمات في محاكمات صورية تغيب عنها كل شروط المحاكمات الفاسدة. الصدمة التي رافقت أحداث 16 ماي 2003 مكنت باستباحة كل المحظورات بدءا بتمرير قانون الإرهاب الظالم وانتهاء بإطلاق يد الأجهزة الأمنية في كل ما من شأنه المس بحقوق الإنسان . اليوم يعاني المغرب من سمعة لا تليق به وآن الأوان لطي ملف الاعتقال السياسي ببلادنا سواء تعلق الأمر بالمتابعين على خلفية الإرهاب أو من نشطاء الحركة الآمازيغية وحركة 20 فبراير.طي الملف يعني إطلاق سراح جميع السجناء السياسيين الذي لم يتورطوا في قضايا الدم من دون استثناء وكل من لا يؤمن بالعنف كوسيلة للصراع السياسي . نعم باستثناء عناصر قليلة تعلن إيمانها باستعمال العنف وتبرره بإمكان المغرب إطلاق جل المعتقلين السياسيين طبعا مع إدماجهم في المجتمع.

 س: ما تقييمكم الحقوقي لفترة حكم محمد السادس بالمقارنة مع فترة حكم والده الملك الحسن الثاني ؟

 ج: ما قبل 1994 كان الوضع الحقوقي في المغرب وضع جد صعب لهذا سميت هذه السنوات بسنوات الرصاص، لكن الأمور بدأت تتحسن مع 1994 حيث صدر العفو العام وأطلق سراح جل المعتقلين وسمح بعودة المنفيين وزاد منسوب حرية التعبير بعض الشيء. مع محمد السادس ستعرف وتيرة طي ملف الانتهاكات الجسيمة ببلادنا بعض الارتفاع لكن أحداث 16 ماي2003 عادت بنا سنوات للوراء ، ومنذ حركية 20 فبراير 2011 عرف مجال حقوق الإنسان بعض التحسن الذي نأمل أن يزداد من خلال إنهاء حالة الاعتقال وجبر ضرر الضحايا وإعادة تأهيلهم واحترام حقوق الإنسان في الحرية والكرامة والعدالة .

 س: تعددت المنابر الحقوقية والنقابية وتنوعت وأصبح لكل هيئة سياسية هيئات ومجالس ونخب حقوقية دون أن يساهم ذلك في تحقيق مكاسب مباشرة للشعب، وضع ساهمت فيه الدولة لإضعاف الجبهة الحقوقية بالمغرب حتى تضيع المكاسب والحقوق بين القبائل والملل.ما تحليلك لهذا الشتات الحقوقي والسياسي والنقابي الذي يعيشه المغرب ؟وما تأثير ذلك على البناء الديمقراطي بالمغرب؟

 ج: بشكل عام ضعف المشهد السياسي والحقوقي يؤثر على البناء الديمقراطي بالمغرب ، الشتات الحقوقي كالسياسي الذي يعرفه المغرب هو أولا نتاج لتخلف وعدم تشبع النخب المغربية بالقيم والمبادئ الديمقراطية بحيث أن كل خلاف بين أعضاء جمعية حقوقية كالاختلافات في الأحزاب السياسية عادة ما يحسم بالانفصال وتأسيس هيأة جديدة أي تشرذم المشهد الحقوقي أو السياسي ، هذا لا يلغي طبعا تدخل السلطات لإضعاف هذا المشهد عبر تأجيج الخلافات والانقسامات ومحاصرة الأنشطة وقطع التمويل أو إضعافه عن الجمعيات . بمعنى أن أسباب ضعف المشهد الحقوقي أسباب داخلية المنشأ والتطور وأسباب خارجية المنشأ والتطور . اليوم الفراغ السياسي يشكل نقطة الضعف ويؤشر لفراغ سياسي مهول وضعف الشهد الحقوقي هو ضعف للدور المهم الذي تلعبه الجمعيات والمنظمات الحقوقية كوسيط وكوسيلة للمراقبة والضغط من أجل تطوير حقوق الإنسان في المغرب ودعم البناء الديمقراطي ببلادنا.

 س: ما تقييمكم لحكومة بن كيران في ضل المعيقات المخزنية التي تطبع المشهد السياسي المغربي والتي سماها اليوسفي سابقا بجهات ضاغطة وسماها بن كيران العفاريت والتماسيح؟

 ج: أداء الحكومة ضعيف وبطيء ويلفه الغموض، لقد كان المغاربة يتوقعون. آداءا أفضل ومردودية أحسن من حكومة رفعت شعارات الإصلاح الشامل لكنها خيبت آمالهم أو على الأقل بدؤوا يشعرون بالقلق ًعلى المستقبل وبكل صراحة فإنه واهم من يتصور أننا سننتقل من الوضع اللاديمقراطي إلى الوضع الديمقراطي من دون صراع وآلام وتضحيات ومن دون مقاومات لجيوب الضغط ولوبيات الفساد والريع ، هو خاطئ على طول الخط ، وأعتقد أن على بنكيران وحكومته أن يبدأ بالتخلص من العفاريت والتماسيح التي تسكن رأسه ورأس وزرائه ومن المعيقات الذاتية والمتمثلة في عدم القدرة على المبادرة السريعة وقلة الخبرة والتردد والقابلية للتفريط في الصلاحيات الدستورية التي منحها لهم الدستور والتخلص من إيديولوجية المظلومية والبوليميك وينفتح على حوار وطني شامل و مشارك لكل الفعاليات والحساسيات الوطنية الموالية والمعارضة في البرلمان وخارج البرلمان . المغرب في حاجة إلى أن يدبر بشكل جديد يكون التوافق والاتفاق والتعايش والمشاركة والإشراك عنوانه.

 س: تتابعون المتغيرات التي يعيشها الوطن العربي في أكثر من بقعة جغرافية والتي عرت انضمتها الفاسدة والمتسلطة، هل تعتقد أن المغرب تجاوز مرحلة الخطر ؟

 ج: أبدا المغرب ما زال في عين الإعصار الذي عادة ما يكون هادئا نسبيا مقارنة بمحيطه المضطرب جدا والوجود في عين الإعصار لا يعني أننا في مأمن بل نعيش التهديد المستمر بإمكانية اضطراب أحوالنا في أية لحظة . المغرب يواجه تحديات ومشاكل واكراهات كبيرة وخطيرة داخلية وخارجية وعدم تعاطيه معها بالشكل المطلوب قد يفتح بلادنا على المجهول لا قدر الله.

شكرا السيد المعتصم

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.