فعلا رئيس الحكومة شخصية فريدة و عجيبة، مقارنة بسابقيه في التدبير و التسيير الحكومي و معالجته للأزمات فهو يستحق أن يكون ظاهرة تدرس في كبريات الجامعات المتخصصة في العلوم السياسية و معاهد الدراسات الجيوسياسية و مراكز البحوث، و يستحق أن يحفظ دماغه بعد وفاته بعد طول عمر لنباغته و نباهته و عبقريته في تدبير الأزمات حتى فاق “انشتاين”. كيف لا و هو الجامع بين خصال الأولين و الآخرين، و كيف لا وهو من أحذق حذاق الكلام الذي لا يستطيع أحد على وجه البسيطة مقاطعته و مسايرته، و هو الفاتح العظيم للحيوانات ولوج القواميس السياسية و مضاهاة المفاهيم الكونية التي رسختها مختلف المدارس و المدارج الفكرية العالمية، وهو الذي أحيا سنة العفاريت و التماسيح حتى صارت بذكرها الركبان من حزب إلى حزب، و هو الخبير المحنك الذي سار على درب “ميكيافل” و أتقن تثعلب الثعلب و تتأسد الأسد فألجم غطرسة الأحزاب و تعالي البرلمانيين و قمع المواطنين بطلقة من فوهة بركان فمه المتطايرة شطاياه الحارقة، و هو الفارس المغوار الحامل للسيف المقدس القاطف لرؤوس المفسدين و الباني القلاع بجماجم الخائنين و المجفف لمنابع الخبث و الخبائث القاطع، دابر الإكراميات و المأذونيات، و هو ابن بطوطة زمانه الماسح لجغرافية الوزارات و الإدارات، و الكاشف لاختلالاتها و تلاعب مسؤوليها و المدقق في معالم ميزانياتها و مآثر صرفها و الواقف عند الضوء الأحمر للبلاط، و هو الحافظ الأمين للذكر الحكيم، الساقط من أعلى صهوة جواده في محاربة المجون و العهر، و هو التنويري الناقد للعقل العربي المنغلق و المتشبع بقيم الحرية و الحداثة السياسية الذي ينأى بنفسه عن الغوص في الحلال و الحرام، تعففا منه في محاربة السكارى و العاهرات في جنح الظلام و المتحفظ عن حرمان الرعية الباحثة عن الكماليات من مهرجانات “البكيني”، و هو الحامل لقنديل “أم هاشم” المنير، الكاشف عن الأشباح في عقر دايارها و الحامل لمبخرة طرد الساحرات من شياطين الإنس و الجن في سراديب الرجز المبين، و هو “غودو” قاطع دابر الهبات السيارة و المستأصل للرمال الذهبية و الكابح لما سخر في البحر، من مخالب جوقة الأعيان و مغتصبي أحلام العذارى و الصبايا، و هو الملك النوراني الذي ملأ نوره أصقاع السماوات و الأرض، ففرت منه شياطين اختلاس المال العام و أبالسة المحسوبية و الزبونية، و هو المرتل ترانيم صلواته و الداعي إلهه في محرابه أن يبطل الباطل و يحق الحق و يقطع دابر الكافرين و الجاحدين بدعوته، و هو المؤمن التقي الورع الذي حدث في الانتخابات فصدق و ائتمن على الأمة فوفي بالهراوة و خاصم في البرلمان و تعفف، و المتواضع لعظمة ربه و الظالم الجهول الحامل للأمانة التي أشفقت من حملها السموات و الأرض. و هو الولي الصالح ماسح خطايا المفسدين و الغفور الرحيم لآثام الأربعين حرامي والصافح عن مختلسي كنوز الشعب ما إن مفاتحهم لتنوء بالعصبة..
بل تستحق يا سيدي أن ننصب لك تذكارا و تمثالا للنصر و الحرية أنت و معاونيك بناة العهد الجديد و القادمين من أسر الكرماء و النبلاء ، و نحييك تحية إجلال و تعظيم و ننحني تقديرا و إكبارا لعظمتك و نقوس ظهورنا لك و لمجلس ثورتك الحكومي و نجعله قنطرة عبور تعليماتك لأجهزتك القمعية المقدسة المدججة بأذناب البقر حتى لا يجدوا ريحها على بعد سبعين خريفا و “هجامتك” الناعمة أيديهم، البيضاء صفحاتهم من دماء الشهداء، للتنكيل بنا و كسر أضلعنا و خواصرنا، و لأننا نحن الأوباش الأجلاف و أحفاد البؤساء و رأس كل بلية لا نستحق الحرية و الديمقراطية و حقوق الإنسان، بل نستحق أن نساق إلى حظيرة “الحلوف” تحت رحمة سياط جلاديك الذين أثنيت عليهم و مدحتهم و قلت فيهم ما لم يقله مالك في الخمرة، بل نستحق يا زعيم الثورة الناعمة و مخرجنا من قذف الصواريخ و هدير المروحيات، أن نصلب و نقطع من خلاف لأننا تجرأنا على فخامتك و شوشنا على عملك النبيل و أفسدنا عليك جو التفكير و التخطيط بهراءنا و غوغائنا، و كسرنا عصاك السحرية التي أصلحت بها العدالة الذي أصبحنا نلمس فيها فضيلة و وسيلة الدرهم و الدينار، و رممت المستشفيات حتى صارت فيها بنية الاستقبال فضاءات خمس نجوم، و صارت الوالدات و المرضعات يتمخضهن المخاض أمام أسوارها فيضعن مواليدهن مفترشات الأرض و متوسدات قارعة الطريق، كاشفات عوراتهن أمام من هب و دب، ممتنات لك هذا الصنيع و الجميل الذي لن ينسوه لك أبدا مهما حيين، بل نستحق يا ولي نعمتنا أن نجلد حتى تنضج جلودنا و تصير دماءنا و ديانا و جداول رقراقة، لمطالبتنا إياك بالشغل و العمل، و أنت الذي شغلتنا في أنفسنا و جعلتنا نشغل طواحين عقولنا في فهم من أنت؟ و كيف تفكر؟ و من أين أتيت؟ حتى وقفنا على حافة الحقيقة المرة، هي أنك مجرد “حلايقي سياسة” ملعب قراديح، بائع للكلام و الأوهام و تفكر كالصياد في الماء العكر، قادما من مخبأ “نعامة” تحسب بدس رأسها في الأرض مختبئة عن الأنظار و سوأتها بادية لأهل السماء و الأرض.