وهاهو لعبادي قد صار بعيدا عن التعليم ، عن تشريح الضفدعة في قاعات العلوم الطبيعية ، وبعيدا عن الرياضيات ، بعيدا كذلك عن الفرنسية وعن ابن جرير ومؤسساتها، رحل تاركا وراءه عمرا أفناه مدرسا تم طالبا بجامعة محمد الخامس بالرباط ، تاركا وراءه بيئة رحمانية خبرها كثيرا ، خبر فيها الأنساب والأشراف ، الأعيان والسياسيون، وسلطتها التي لم تتركه يوما يؤسس لجمعية وانتخابات لم يكن ليحالفه الحظ للظفر بها ، ووجهته هذه المرة الدار البيضاء .
ففي سنة 1976 سترسله إدارة البنك الشعبي في دورة تكوينية بمدينة مراكش ، للتعرف والتمكن من خبرة في مجال الأبناك وبالضبط التعرف على أدبيات وظيفته الجديدة قسم الإشهار ، في عام 1977 سيلتحق الرجل مرة أخرى بمدينة الدار البيضاء ، تلك السنة التي اعتبرها سنة مهمة انسلخ فيها وبتعبيره عن حزب الاتحاد الاشتراكي والحياة السياسية عموما ، سنة للتأقلم على رجيم حياة جديدة كإطار بنكي كبير ، مابين 77 إلى حدود سنة 1979 سيقضيها بقسم الإنعاش والإشهار والعلاقات العامة ، في تصريحاته يذكر لعبادي مدى الدور الذي لعبته زوجة المدير العام لمؤسسة البنك الشعبي الفرنسية الأصل والتي ساعدته في مساره المهني ، شكلت خطواته الأولى في الاتجاه الصحيح ،في تجربة خبر فيها عن قرب تطور الطباعة وطنيا فانهال من مجالها الخصب الكثير .
وبعصاميته وقدرته الفائقة على التأقلم وطباعه الرحمانية الأصيلة المفعمة بحب الاطلاع والمعرفة والبحث ، سيصبح مديرا لقسم التواصل والإشهار بمؤسسة البنك الشعبي ، ولكن للنجاح ضريبة ، لم يسلم لعبادي من النيران المعادية وسط هذا المضمار ، وفي بيئة لم تعهد تصرفات جاءت مع الرجل أو ربما هي رفيقة دربه ، وهي البحث عن كل كبيرة وصغيرة وعن كل التجاوزات التي سيطلق فيها العنان لقلمه الواخز بلغة فرنسية وعلى صفحات الجرائد الوطنية أنداك ، فثارت طبعا ثائرة كبار المؤسسة وليبدأ العد التنازلي في مسيرة ستأخذه فيما يشبه العقوبة إلى مدينة وجدة ، بعدما تمت إزاحته من منصب رفيع كانت سنة 1990 شاهدة عليه ، لعبادي وفي شهادته اعتبر طرده من داخل أروقة المؤسسة وإبعاده إلى وجدة طريقة تميزية واضحة ، وفي وجدة سيقضي لعبادي المغضوب عليه سنتين ونصف كمدير مساعد لمدير وصفه بضعيف المستوى الثقافي في مصلحة إدارية فقيرة، وسكن بعيد أرغمه التنقل بين مقر عملة بوجدة وبني إدرار يوميا ، وهو الذي كان قبلها مسؤولا كبيرا بقسم مهم في إدارة البنك الشعبي بالمقر المركزي ، وبين نية مبيتة لإدارة تريد التخلص من الرجل ونفس أبية لهذا الأخير ، سيتحمل ألاعيب المؤسسة حين طالبته بمغادرة مدينة وجدة والالتحاق بالدار البيضاء، ليجد نفسه موظفا بلا مهمة طيلة أسابيع في مكتب فخم كبير، ما تختزنه ذاكرة لعبادي عن الفترة التي قضاها يذكر بعض تفاصيله والابتسامة لا تفارق محياه، و في هذا الباب لم ينس حين توصل بترقية وتوبيخ في نفس الشهر من تلك الفترات التي دب الارتباك في إدارة لم تعد واعية بكيف يجب أن تتصرف ، كما لم تفته الإشارة إلى أن كتاباته هي من أسست لطرده وأن هذا السلوك كان يعاب عليه كثيرا، ليختم قائلا، بأن العمل البنكي المباشر يجعل من صاحبه خاضعا للإستغلال.