حفزتني مبادرة جريدة “بلاد بريس” في محاورة الرفيق العزيز ،المناضل لحسن زغلول ،المعروف محليا ب”ولد الكابران ،وعربيا ب”عبد الرحمن المغربي” حينما كان منفيا قسريا بالجزائر ،وممثلا لحركات التحرر العربية بها، على إعادة قراءة كتاب “”الرجل الذي صافح الموت /مذكرات المعتقل السياسي المجاهد محمد أطلس بلحاج”، للمرحوم الرفيق محمد أطلس بلحاج ،الذي تكلفت جريدة “التجديد” لسان حزب العدالة والتنمية ،بطبعه وتمويله ،بعد أن طلق اليسار، وارتمى في آخر أيامه ـ مع غاية الأسف ـ في أحضان حركة الإصلاح والتوحيد، الجناح الدعوي لحزب المصباح. ويبدو أن الجريدة إياها ،لم يكن غرضها التوثيق التاريخي ،وكشف الحقائق ،وإنما كانت الغاية هي الإساءة لرموز بعينها ،كعبد الرحيم بوعبيد وبنسعيد أيت إيدرالذي اتهمه الرفيق أطلس بالإلحاد والزندقة ، و الإساءة للمرحوم أطلس نفسه، الذي حكم عليه مغرب الاستقلال بالإعدام سنة 1963 ،وأمضى 20 سنة من السجن ،منها 11سنة في حي الإعدام ،وذلك على إثر ما سمي بمؤامرة اغتيال الملك الحسن الثاني، والمستشار بنسودة، والجنرال أوفقير، بمسجد الكتبية بمراكش بتخطيط من بنسعيد أيت إيدر، و لحسن زغلول وآخرين .
وبعدما اطلعت على جزء غير يسير من مذكرات المرحوم أطلس ،الذي تفضلت بالحساب الصغير ،جريدة “التجديد”بنشرها على امتداد ما يقارب الشهر،واختارت لها بعناية زائدة من العناوين الرئيسية والفرعية والمانشيطات العريضة ،ما لذ وطاب من عبارات التكفير المبطن،حزنت لما آل إليه مصير الرجل بعد مسار كفاحي طويل ومشرف ضد المستعمر، ومعاناة قاسية جدا في سجون الاستقلال الناقص، في دار المقري والسجن المركزي بالقنيطرة .
وإذا كنت أعرف أنني غير ملم بشكل دقيق بالتفاصيل الشخصية ،التي صاحبت مسار الرجل ،إلى غاية خروجه من السجن سنة 1983 ،فإن هذا لا يمنعني ـ على الأقل ـ من إبداء بعض الملاحظات المتعلقة أساسا ،بما يمكن تسميته ،مواقفه وانطباعاته إزاء منظمة العمل الذي كان عضوا بلجنتها المركزية ،وكنت مسؤولا بمكاتبها المحلية.
وقد دفعني لإثارة هذه الملاحظات سببان اثنان: أولهما ،العلاقة الوطيدة التي جمعتني بالرجل انطلاقا من سنة92،وهي العلاقة نفسها التي ربطتني ـ ولازالت ـ تربطني بالرفيق المحترم ،لحسن زغلول منذ رجوعه من منفاه بالجزائرسنة 99، حيث خصصنا له استقبالا،بمقر المنظمة بالحي الجديد، يليق بمكانته كرمز من رموز المقاومة البارزين ،إلى جانب الرفيق بنسعيد أيت إيدرالأمين العام آنذاك للمنظمة . ولا أنكر أن أطلس بلحاج ، كان يكن لي كثيرا من الود والتقدير، وكان يتردد ـ قيد حياته ـ على بيتي، كما لا يتخلف الرفيق زغلول عن زيارتي ،والاتصال بي في كل وقت وحين ،كما كنت ولازلت وسأبقى أجل الرفيق المرحوم أطلس وأحترمه ،حتى بعد خروجه من اليسار، وتبنيه لقشوروتفاهات أطروحات الإسلام السياسي،وحتى بعد أن غادر هذه الدنيا في يوم كان عزيزا عليه: 20 غشت. وثاني الأسباب أنني عشت أغلب الأحداث ،إن لم يكن كلها ،والتي يحكي عنها منذ التحاقه بالمنظمة ،كما أعرف كل الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في باب استقالته ،وبشكل مخصوص بنسعيد أيت إيدر ولحسن زغلول وامحمد طلابي ،القيادي السابق في منظمة العمل ،والذي أصبح اليوم قياديا في حركة الإصلاح والتوحيد !!!!!!وغدت هيئته،بطربوش وجلباب أفغانيين ولحية كثة، تكاد تتماثل بشكل دقيق جدا مع حامد كرزاي !!!
وإذا كان الرفيق أطلس ،قد حدا في استقالته ،آنذاك من المنظمة ،حدو السيد امحمد طلابي،إلا أن الفرق بينهما ،هو أن استقالة الأول ،استندت إلى قطيعة ابيستمولوجية مع بنية العقل السياسي لليسار العربي عموما،واعتبار حركة حماس والجهاد الإسلامي ومن على شاكلتيهما هما اليسار الحقيقي ،وعليهما يقع رهان ومصير المجتمعات العربية .وقد دون انحرافه السياسي والفكري في كتيب سماه (نقد العقل السياسي المغربي) !!!فإن استقالة الرفيق أطلس ـ وبقطع النظر عن دوافعها المحكومة بظروف الرجل المادية،وبمؤثرات عائلية ـ فإنها تنحو في العلل والمبررات منحى جزئيات هامشية ومتهافتة لا تصمد، من قبيل ما ورد في مذكراته(النساء العاريات الكاسيات) ،ومن قبيل الزعم أن كثيرا من أعضاء المنظمة ،كانوا يعتبرون الاتحاد الاشتراكي نموذجهم، ومن قبيل أن المنظمة تعادي الدين الإسلامي .ويؤسفني أن الرفيق أطلس اجتزأ من الأحداث والوقائع ما رغب أن يوافق هوى جريدة “التجديد” والحزب الذي يصدرها .
إن أقل ما يمكن أن يوصف به كلام الرفيق أطلس هو تحريف محض ،وهو كأي تحريف ،لا مستند له ،وهذه مقتطفات من مزاعمه “وكان أكثر ما عانيناه في اليسار ،موقفهم العدائي والرافض للدين،بل وانسلاخهم عن كل ما هو إسلامي”
(من أسوإ الذكريات التي أحتفظ بها عن عملي في المنظمة ، أنه في المؤتمر ،كان هناك اختلاط بين النساء والرجال كما هو معهود عند اليساريين،وجلست أمامنا رفيقات كاسيات عاريات)
في هذه المقاطع، أحكام إنشائية مهزوزة ، كتبت بحبر تنهل ريشته من محبرة الحركة الدعوية للمتاجرين بالدين.تتوسل ببعض المسوح الدينية والأخلاقية ،ولا أثر فيها لما يمكن أن يعتبر نقدا سياسيا أو فكريا لتوجهات المنظمة،وتوجهات الحركة اليسارية عموما.وهذا الوتر هو الذي تعزف عليه الحركات الأصولية بكل تلاوينها في اصطياد طرائدها من ذوي التكوين الثقافي المحدود ،أو من يشتم فيه رائحة الانتهازية ،وكان مؤهلا لقلب المعطف في أي وقت وحين.
وتمادى الرفيق أطلس من خلال جريدة “التجديد” ،في الغلو والإنكار على مناضلي المنظمة في المركز والفروع، الأدوارالطلائعية، والمعارك النضالية التي خيضت، من أجل الدفاع عن حق المنظمة في قول لا للدساتير الممنوحة ،ولا للديموقراطية الشكلية ،ولا للانتخابات المزورة،ولا للنظام الاستبدادي.وزعم ـ مع الأسف الشديد ـ أنه وأخوه في الجهاد (الماركسي السابق والفقيه الحالي في حركة الإصلاح والتوحيد) هما من كان لهما الفضل الأوفر في كل ما جرى.
وليعذرني الرفيق العزيز ،المرحوم أطلس بلحاج ،وهو يرقد الآن بسلام في مثواه الأخير،إن كنت تطاولت عليه بعد غيابه الأبدي ،وهو المناضل ،المقاوم ،الوطني،الصادق الصدوق ،البسيط،الذي ـ وتحت لحظات الضعف البشري ،تم توظيفه بشكل انتهازي خالص ،من طرف من يتاجرون في السياسة باسم الدين ، ويتاجرون بالدين من أجل السياسة،ليصفي الحساب بطريقة دراماتيكية مع تاريخه الشخصي ،وتاريخ الحركة التقدمية التي جعلت من دمها وعذاباتها ،قطرة زيت في فتيل حرية هذا الشعب.وجعلت من أجسادها جسرا تعبره أسراب الفرحة إلى أكواخ الكادحين .