لم يكن قد تجاوز خطاب عاهل البلاد الخمسة عشر يوما من سماع المغاربة به ، كان خطابا زلزل الأمة المغربية و أحيا نقاشا عميقا حول مفهوم الرأسمال الغير المادي ، كان المغاربة منكبون على تحليل الخطاب بخصوص تلك المفردة ” الرأسمال الغير مادي ” حللها إعلاميون ومثقفون وجهلة وكل الشعب ممن يهتم لخطاب ملك البلاد ويفهم مقاصده ، كنا كذلك نحن كإعلاميين نحلل .فبعضهم اعتبر الرأسمال الغير المادي قيم المواطنة ، قيم الإنسان المخلوقة فيه والمكتسبة ، رصيد الأسرة فيه ، فهمه للواقع بشكل صحي ، كنا نحلل وننكب على محاولة الفهم مع من يحملون نفس الهم .
لكن اليوم وبعد ترحيل سميهم ” الشطيبيون ” سميهم باعة اشطيبة للمتلاشيات والأفرشة ، تبين بالملموس أن الدولة المغربية ستظل عاجزة عن استنهاض هذا الرأسمال الغير المادي ، كنا نتمنى أن يستمع هؤلاء ” الشطيبيون ” إلى ضمير الأمة النقي والصافي المبني على حب البلد ، أن يستمعوا إلى أنفسهم ، إلى قرارتها إلى أعماق تلك النفس .
كيف يسمح باعة اغتنوا فوق أراضي الدولة ، أو أراضي من له الحق بانتزاعها منهم عقودا ومع ذلك صبر ، استوطنوا أمكنة بالقوة ليست لهم لعقدين من الزمن ، واعتنوا بفضل ذلك وابتاعوا تجارتهم كثيرا ، ووفر فيهم البعض أموالا ، وأصبح منهم الأثرياء وحتى أفقرهم تحصل ” بالفابور ” لسنين من البيع بلا ضرائب على محل سكني بالملايين ،وعلى رأسمال مادي وعلى سيارة أو شاحنة ، ومع ذلك نأسف أننا لم نستطع تحصيل رأسمال غير مادي من هؤلاء ، كنا نلوم المخزن بكل ألوانه يوميا ، نلوم السلطة والمنتخبين ونلوم الجهات الوصية ،ونحمل دائما مسؤولية تردي الأوضاع في هذا البلد للقائمين عليها ، ولكن نهاية صور الترحيل التي أبقت على أكوام من الزبالة تضاهي بحجمها مزابل العالم يحتاج منا اليوم إلى مراجعة بعض مواقفنا اتجاه الموضوع ، غادر ” الشطيبيون ” إلى محلات بنتها بلدية ابن جرير ، بنتها من أجل الكرامة ،ومن أجل محو آثار تلك النقطة السوداء في قلب المدينة ، بنتها من أجل الكثير من القيم ، ونحن لا ندافع على أحد هنا ، وإنما نريد أن نقول غادر هؤلاء أرضا منحتهم كل شيء ، وحملوا تجارتهم وما أحبته قلوبهم ، وعار عليهم أنهم تركوا أكواما من الأزبال ولم يفكروا لحظة من الزمن أن يرجعوا لإعطاء درس مهم في نظافة المدينة ، في نظافة المحيط ، كم كان سيكلف نقل تلك الازبال بالنسبة لهم ؟ كم كان سيكون مهما لو أنهم تطوعوا بدرهم من اجل تشغيل آخرين لجمع وساختهم التي تركوها تثير الاشمئزاز ، أي موقع اتخذته جمعيتان وجدتا هناك من أجل أهداف معينة ونسيت هدف أن نكون مواطنين فاعلين ورأسمال معنوي كبير ، عن أي مجتمع مدني نتحدث وجمعيتان نفضتا غبار جلابيبها وانصرفت ، يحز في النفس ما شاهدناه وناسف أن خطاب الملك لا يزال بعيد المنال عن المغاربة ، ونأسف اليوم أن خطاب الدولة الرسمي وفي كل أروقة المخزن قد يكون تقدم بخطوات وتمرن أكثر ، فيما سلوك ” المغاربة ” تسيب بشكل فضيع ، فمن ترك تلك الازبال عرضة لمشاهدة المارة وتحت مسؤولية أفراد من رجال النظافة هم بالأساس مغلوبون في جمع قمامة مدينة بأسرها لا يملك ذرة إيمان ، ما كان يمنع هؤلاء من اعتبار تلك ” البراريك ” منازلهم ، ولماذا لم يتصرفوا بمقولة نبينا المصطفى من أسدى إليكم معروفا فكافيئوه ، أليس تلك الأماكن أشد قدسية من بيوتهم ، ما كان رد فعلهم لو رمى أيا كان تلك القمامة أمام بيوتهم ؟
مؤسف ما حصل ولو أن الكثيرين لم ينتبهوا لذلك ولهذا وجد الإعلاميون ذو الرؤية التي لا تغيب عنها الشمس . نحاول وضع هذه المادة في سياقها والمغرب يحتفل إذا بثورة الملك والشعب ، فأين هو الشعب من الثورة التي نريدها للتغيير ومبتدؤها القيم الراسخة التي تغير ؟