ريــــادة. المغرب الأول عالميا في إنتاج القنب الهندي
صنّف آخر تقرير للأمم المتحدة المغرب البلد الأكثر إنتاجا للقنب الهندي (الحشيش) في العالم بحوالي الثلثين. وبينما تطالب الأمم المتحدة بوقف عمليات التقنين القانوني للقنب الهندي التي سنتها بعض الدول، وعلى رأسها الأوروغواي؛ فإن زراعة الكيف في شمال المغرب توسعت جغرافيا، لتشمل مناطق كانت مخصصة للزراعات المثمرة والفواكه، مثل العرائش ووزان، بعدما كانت حكرا على المناطق الجبلية في قبائل غمارة وصنهاجة. ورغم محاولة المغرب، خلال العشر سنوات الأخيرة، التحكم في مساحات الأراضي التي تنتج القنب الهندي ومحاصرة المساحات المزروعة، وإيفاد دوريات للدرك والقوات المساعدة لإتلاف حقول ورشها بالمواد الكيماوية، فإن المزارعين لجؤوا، تحت ضغط الحاجة، إلى استيراد نبتة «خردالة» من باكستان التي تعطي أربعة أضعاف المنتوج مقارنة مع نبات القنب الهندي المغربي.
«إذا كنت مغربيا، وتحمل بطاقتك الوطنية رمز LC، فأنت متهم بالضرورة إلى أن تتبث براءتك، وستجد نفسك مجبرا على الخضوع لإجراءات التحقيق في «باراجات» الدرك والشرطة، وسيتم عرض هويتك على الآلة الناظمة للتأكد من أن لا سوابق عدلية لديك، وأنك غير مبحوث عنك بموجب شكايات كيدية من أجل زراعة «الكيف» أو الاتجار في المخدرات، قبل أن يتم إخلاء سبيلك»، يؤكد مجيد. ف، أحد الشباب القاطنين في بلدة باب برد، وهو يتحدث، على هامش لقاء عقده حزب الأصالة والمعاصرة زوال السبت الفائت مع مزارعي نبتة «الكيف» في مناطق الشمال، مشيرا إلى أن مزارعي «الكيف» وأبناءهم يفضّلون التواري في المداشر المنتشرة بين الجبال على المجيء إلى باب برد المركز خوفا من تعرضهم للاعتقال من لدن رجال الدرك. لا يستطيع مجيد أن يتجوّل في البلدة برأس مرفوع، كما لا يستطيع الجلوس في المقهى يوم السوق الأسبوعي مع أصدقائه؛ لأنه مبحوث عنه، منذ عامين، من أجل السرقة. مجيد يحلف بأغلظ الأيمان أنه لم يقترف جرما؛ لكنه لا يستطيع الذهاب إلى مركز الدرك للإدلاء بأقواله، خوفا من تعرضه للاعتقال وهو الموقن ببراءته.
رسميا، يوجد أزيد من 48 ألفا من مزارعي «الكيف» وأبنائهم مبحوث عنهم من لدن السلطات، بموجب مذكرات بحث وطنية يرى سكان المنطقة أنها مبنية على شكايات كيدية مجهولة المصدر في غالب الأحيان؛ فيما تشير أرقام قدمت خلال مائدة مستديرة، نظمت الأحد الفائت بمقر دار الشباب بمدينة شفشاون، إلى أن زهاء 14 ألفا من سكان المنطقة يوجدون وراء قضبان السجن، وهو ما جعل الجو العام السائد لدى السكان يتسم بالرهبة والخوف. ويعتبر السكان أن الشكايات المجهولة تعد الطريقة المثلى لبارونات المخدرات لإخضاع الفلاحين وكذلك لتصفية الحسابات، كما تستعمل هذه الشكايات أيضا كورقة انتخابية من أجل الضغط على السكان للتصويت على شخص أو حزب معين.
حكاية مزارعين «روشيرش»
تحت خيمة نصبت على عجل فوق ربوة تطل على الوادي، تحلَّق، صباح السبت الفائت، مئات المزارعين حول شخصيات سياسية قررت عقد لقاء مفتوح معهم. السي حسن، وهو رجل في الستينيات من عمره، كان يرتدي جلبابا أبيض ويضع فوق رأسه طربوشا أحمر اللون، وهو أول من أعطيت له الكلمة ليتحدث باسم مزارعي نبتة «الكيف». بتلقائية، شرع السي حسن في استعراض مواقف مأساوية؛ لكنها أيضا تنطوي على نَفَسٍ كوميديّ جعلت الجالسين تحت الخيمة يغرقون، بين الفينة والأخرى، في الضحك. «هناك حالات ابتزاز غريبة يتعرّض لها المزارعون. أحدهم رفض تزويج ابنته لأحدهم، فتقدم العريس المرفوض بشكاية كيدية ضد والد الفتاة يتهمه فيها بزراعة «الكيف»، ليجد الأب نفسه مجبرا على تزويج ابنته لمن يرغب فيها أو دخول السجن إن هو رفض ذلك».
رجال الدرك الملكي لا يتدخلون إلا حينما يعلمون بأن المزارعين جمعوا محصول «لمطيرة»، أي القطع الأرضية الصغيرة المحروثة. لذلك، يهاجمون المنازل وينتهكون حرمتها لاعتقال المزارعين وهم «متلبسين» بحيازة «الكيف» داخل منازلهم. في حين أن رجال الدرك، يضيف السي حسن، يشاهدون الحقول مزروعة ويعلمون بطبيعة النبتة التي عليها؛ لكنهم لا يتحركون إلا عندما يجنى المحصول ويستقر في البيوت.
الشهادات التي أدلى بها المزارعون تؤكد أن «الكيف» يزرع في العلن وأمام الجميع، والسلطات تراه ينمو وتتدخل بشكل انتقائي لاجتثاث حقول دون غيرها أو اعتقال مبحوث عنهم والتغاضي عن آخرين، مؤكدين أنهم يعيشون وأفراد أسرهم في خوف دائم من الملاحقة والاعتقال. عبد الكريم، وهو مزارع ينحدر من مدشر بني شيبة الذي يبعد بمسافة 11 كيلومترا عن باب برد المركز، يقول: «إن التلاميذ يغادرون باكرا مقاعد الدرسة في مجموعة مدارس «النهضة» ليلتحقوا بالزراعة». كما أن نسبة قليلة من التلاميذ الذكور تستطيع مواصلة التعليم بعد مرحلة الابتدائي. أما الفتيات، فيلتحقن بالعمل المنزلي ويغادرن مقاعد الدرس في سن مبكرة. عبد الكريم، الذي يرفض بشدة أن تسمى زراعتهم بالمخدرات، ظل يؤكد أن السكان يزرعون نبتة «الكيف» التي ورثوا زراعتها عن أجدادهم في باب برد وكتامة، وهي مناطق تتميز طبوغرافيا بالصخور الصلدة غير القابلة لاستقبال أي من الزراعات الأخرى. وفيما انبرى مزارعون للحديث عن ضرورة تقنين زراعة «الكيف» في إقليمي شفشاون والعرائش، فإنهم طالبوا باستمرارها في منطقة بني خالد وكتامة ومنح المنطقتين «وضعا خاصا»؛ لأنهما متضررتان أكثر من بعض المناطق المجاورة.
ظلم التاريخ والجغرافيا
كانت شوارع بلدة باب برد متربة ومليئة بالطمي، وعدا الشارع الرئيسي المؤدي إلى مقر الجماعة ومركز الدرك الملكي، فإن باقي الأزقة مليئة بالحفر؛ فيما علت الرطوبة واجهات المنازل. «باب برد مشهورة بصقيعها، وسكان المنطقة يقولون إن من لم يقتله صقيع باب برد؛ فعلى الأقل سيجعل فرائصه ترتعد وأسنانه تصطك بفعل الجو البارد الذي يميز المنطقة. ومن ثم، فإشغال المواقد في المنازل أمر لا مفر منه في فصل الشتاء»، يؤكد نادل بمقهى في بلدة باب برد، مشيرا إلى أن شباب المنطقة ليس أمامهم من خيار غير تدخين «الكيف» والجلوس في المقاهي، لغياب مرافق اجتماعية وثقافية من شأنها أن تجلب اهتماماتهم. في طاولة بالمقهى جلس شخصان يتندران في ما بينهما عن محاولة المكتب الوطني للماء الصالح للشرب ربط أحياء البلدة عنوة بشبكة الماء الصالح للشرب، بالرعم من أن السكان ليسوا بحاجة لماء الحنفيات وهم الذين ظلوا يتزودون منذ عقود طويلة بالمياه الحيوية من الينابيع بين الجبال. في الشارع الرئيسي للبلدة، توجد محلات كثيرة لنجارة الألمنيوم والآلات الفلاحية ومحلات تجارية تبيع السماد العضوي الذي يقبل المزارعون على اقتنائه لأرض العشبة الخضراء. ورغم مظاهر الفقر البادية على بسطاء المزارعين، فإنهم يكابدون للحصول على مدخول سنوي يقارب العشرة ملايين سنتيم بعد بيع الغلة لـ«البزناز»؛ وهو مبلغ، حسب شهادات المزارعين، بالكاد يغطي مصاريف الزراعة وأداء أجور العمال ومصاريف إضافية. مع بداية موسم حرث «الكيف»، يحتد الصراع بين المزارعين من أجل توسيع مساحات زراعة «الكيف» لغرض تحقيق ربح أكثر. وغالبا ما يدور ذلك الصراع حول غابات الأرز أو «أمالو»؛ لكن الغريب هنا هو أن تكون أراضي المقابر بدورها موضوعا لأطماع بعض المزارعين، كما يحدث في مدشر «أمعاكظان» بجماعة «آيت بونصار» بقبيلة صنهاجة، حيث أقدم مجموعة من السكان على حرث المقابر الموجودة بدوار «ثيساغيوين» قرب مجموعة مدارس بني بونصار في انتهاك لكرامة الموتى الذين لم يسلموا بدورهم من حمى «الكيف» التي طالت الغابة والماء والإنسان. وتنقسم قبيلة صنهاجة الريف إلى صنهاجة اسراير، التي تضم 11 قبيلة؛ وهي: بني أحمد وكتامة وبني بونصار وبي سداث وبني بشير وبني خنوس وبني مزدوي وبني بوشيبت وتاغزوت وتاركيست. واسم اسراير، حسب الكاتب أوغست موليراس، الذي اهتم بدراسة ما يصفه بقبائل المغرب المجهول، يعود إلى اسم اسريرة، أي مقبض البندقية التي كانت تصنع بقبيلة تاغزوت. أما القسم الآخر فهو صنهاجة الساحل، التي تضم بني ڭميل ومسطاسة وبني بوفراح.
شهادات مزارعي «الكيف» تجمع على أن هذه الدواوير تعيش تهميشا ممنهجا على المستوى الصحي، فأغلب الجماعات القروية تضم أزيد من 10 آلاف نسمة ولا يوجد بها سوى مستوصف يتيم يشتغل به ممرض مع غياب للتجهيزات الطبية والأدوية. بالنسبة إلى التعليم، يؤكد المزارعون، فإن أبناء هذه المناطق يضطرون للتنقل إلى تاركيست والحسيمة لمتابعة الدراسة، ويواجهون صعوبة في التأقلم مع محيطهم الجديد، خاصة أنهم يتنقلون إلى العيش في الأقسام الداخلية في سن مبكرة ، كما أن هذه المناطق تشهد ارتفاعا في نسبة الهدر المدرسي، خاصة في صنف الإناث. على سبيل المثال، فجماعة بني أحمد التي تضم أزيد من 10 آلاف نسمة، توجد فيها فتاتان فقط تحملان شهادة الباكلوريا، حسب إحصاء 2004. وبالنسبة إلى الطرقات التي تربط بين الدواوير فهي غير معبدة، وشقت بسواعد ومال السكان. أما طريق الوحدة، التي تربط بين تاونات وتاركيست مرورا بكتامة اكاون وإساكن، فوضعيتها كارثية. ونتيجة لتلك الوضعية، فإن العديد من المداشر التابعة لجماعة إساكن والموجودة على جنبات هذه الطريق، كتيزي يش وعبد الغاية والسواحل، تعيش عزلة قاتلة عن العالم الخارجي بسبب غياب طرق سالكة.
ورغم المجهودات التي تقوم بها الدولة لمحاولة فك العزلة عن سكان الجبال، من خلال برمجة مشروع الطريق الوطنية رقم 8، أملا في تخفيف الضغط على طريق الوحدة، وربط تاونات بتاركيست عبر جماعات بني بوشيبت وبني بونصار وبني أحمد اموكزان، فإن الأشغال التي انطلقت بها منذ 14 سنة خلت لم تكتمل بعد. كما أن السكان لا يزالون يشعرون بالعزلة، لاسيما أن هذه الطريق تمر عبر مراكز الجماعات؛ بينما المداشر الأخرى الموجودة في سفوح الجبال بعيدة عن الطريق. وحده ركوب الدواب الحل الوحيد للوصول إلى الطريق، مثلما هو حال سكان مدشر قلعة مروان بجماعة تاغزوت، الذي يطالب سكانها منذ 25 سنة بفك العزلة عنهم دون جدوى.
نُذُر السجن
لا يرى الفلاحون في منطقة كتامة بديلا آخر للعيش سوى زراعة القنب الهندي في أراضيهم التي ورثوها عن أجدادهم. وبحسب خالد، وهو ابن مزارع رافق والده السبت الفائت لبلدة باب برد لحضور اللقاء المشار إليه سلفا، فإن سكان منطقة كتامة منذورون لشيئين لا ثالث لهما؛ إما الحبس أو الغرامة. خالد أضاف أن أهالي هاته المنطقة حتى وإن لم يكونوا يزرعون نبتة «الكيف»، فإنهم مهددون بغرامات مالية ثقيلة سببها «بوغابة»؛ وهو اللقب الذي يطلقه سكان المنطقة على حراس المندوبية السامية للمياه والغابات. خالد شدد على أن الغرامات تتعلق غالبا بمخالفة «زبر الغابة»، وأن المزراعين البسطاء مجبرون على أداء هذه الغرامات الثقيلة أو الاعتقال؛ بالرغم من أنها تكتسي طابعا كيديا، في أغلب الأحوال.
منذ صغره، وخالد يتابع نشاط والده الذي يزرع في حواشي أحد الأودية نبتة «الكيف» المخدرة. وحسب رأيه، فإن زراعة «الكيف» في منطقة كتامة تقلصت، نتيجة محاربة السلطات الأمنية لها؛ لكنها انتشرت في أقاليم العرائش ووزان بشكل لافت للانتباه، دون أن تحاصرها السلطات وتمنع مزاولتها في أراض معطاء ظلت مصدر إنتاج للفواكه والزيتون، قبل أن تتحول إلى حقول من «الكيف» مترامية الأطراف. وأضاف خالد متحدثا عن أوضاع عيش سكان منطقة كتامة: «نحن فتحنا أعيننا على زراعة آبائنا لهذه النبتة؛ فمنذ سنة 1975 وسكان القرية يزرعون القنب الهندي ويسوّقونه». قبل أن يتساءل: «ثم ماذا سنأكل إذا توقفنا عن تلك الزراعة وأيّ بديل يتحدثون عنه؟».
العيش في الخوف من الملاحقة القضائية أو الاعتقال يجعل سكان المنطقة يحجمون عن ارتياد الأسواق الأسبوعية أو الذهاب إلى العلاج أثناء مرضهم، خوفا أن يتم اعتقالهم من قبل رجال الدرك. و«كتامة» التابعة إداريا لإقليم الحسيمة هي بلدة صغيرة، يقول عنها أبناؤها إنها تمتد على مساحة 40 كيلومترا مربعا. أما عدد سكانها، فهو في حدود 200 ألف نسمة، والطريق الأقرب إليها انطلاقا من العاصمة الرباط هي طريق تاونات. وعلى عكس ما يعتقده الكثيرون من أن منطقة كتامة تضم حقولا مترامية الأطراف مزروعة بنبتة «الكيف»، فإن واقع الحال يؤكد أن المزارعين يزرعون فدادين صغيرة لا تنتج سوى «الكيف»، الاقتصاد الرئيسي للمنطقة؛ لكنه ليس المصدر الوحيد للعيش بالنسبة إلى بعض النافذين، فهناك شجر الأرز وشجر «التاج». ويقول سكان المنطقة إن غابة كتامة، وتحديدا في جبل «تدغين»، تتعرض للنهب المستمر من على أيدي لوبيات سرقة الأخشاب، خصوصا أن شجرة الأرز الواحدة يمكن أن تباع من قبل لصوص الغابة بما يقارب 70 مليون سنتيم. أما شجرة «التاج» فهي لا يوجد إلا في هذه البلدة بالمغرب، ولا توجد في العالم إلا في إحدى بلدان إفريقيا. ويمكن أن يصل هذا النوع من الأشجار إلى الولايات المتحدة الأمريكية بأثمان جد مرتفعة. أكبر ما يؤرق سكان المنطقة هو الشكايات الكيدية. وحسب إلياس أعراب، نائب رئيس جمعية أمازيغ صنهاجة، ففي قبيلة صنهاجة مثلا، عرفت سنة 2011 تسجيل أكبر نسبة لهذا النوع من الشكايات. ويتذكر أحد الفاعلين الجمعويين في المنطقة أنه عندما خرج سكان منطقة بني أحمد أموكزان للمطالبة برحيل ومحاسبة رئيس الجماعة، بدأت الشكايات تتساقط عليهم من كل حدب وصوب، وأصبح كل شباب المنطقة متهمين بالاتجار في المخدرات وحمل السلاح، إلى درجة أنهم توصلوا بخمسة استدعاءات على الأقل؛ ومنهم من حطّم الرقم القياسي من حيث عدد الشكايات والتهم، حيث وصل عدد الشكايات التي صيغت ضد أحد قادة احتجاجات الشباب 15 شكاية كيدية. ويرى أعراب أن قضية المزارعين المبحوث عنهم والمطاردين بفعل الشكايات المجهولة والكيدية تستوجب الإلغاء الفوري؛ لأنه «مع الاستمرار في العمل بهذه الشكايات، التي تصل بالبريد، فإن جل سكان هذه المناطق هم في حالة سراح مؤقت؛ فيكفي أن يكون لك مشكل مع أحد الأشحاص أو تنشط في جمعية ما لتتقاطر عليك الشكايات، كما يحصل مع أمين مال جمعيتنا الذي أغرق بالشكايات المجهولة، كان آخرها قبل أسابيع اتهم فيها بالاتجار بالمخدرات وحيازة السلاح»، يضيف أعراب. وكما يوضح نائب رئيس جمعية أمازيغ صنهاجة الريف، فإن مطلب سكان المنطقة يتمثل في عفو شامل عن جميع الفلاحين المعتقلين أو المتابعين بتهمة الزراعة والتي تسمى «الزبر والزريعة»، وزاد قائلا: «بغض النظر عن من سيصدر العفو أو كيف؟ لأننا لسنا أساتذة قانون، نحن أبناء مزارعين نرى آباءنا وعائلاتنا في رعب مستمر».
حرب مياه
إضافة إلى الخوف والتهميش، فإن مشاكل المنطقة تصل أحيانا إلى حد الاقتتال بين القبائل بسبب الماء الضروري لزراعة نتبة «الكيف»، التي تظل بحاجة ماسة للمياه إلى حين قدوم موسم الحصاد. ومنذ عقود، ظلت مياه السقي توزع ين المزارعين بالتساوي حسب الأعراف المتوراثة التي تقضي بحصول كل قبيلة على حصتها من المياه خلال أيام محددة وفق ما تقتضيه حاجة المساحات المزروعة. وفيما كان السقي، في السابق، يعتمد على الطرق التقليدية بإنشاء سدود تقليدية يطلق عليها السكان المحليون اسم «أوغوي»، تخصص لتجميع مياه الوديان المتدفقة بين جبال الريف، إلى حين ارتفاع منسوب السد ليغطي حاجيات المزارعين في الري؛ فإن زيادة المساحات المزروعة واستعمال مضخات كهربائية لشفط المياه من باطن الأرض أصبحا يهددان الفرشة المائية في هذه المنطقة.
خلال عودتنا من بلدة باب برد إلى مدينة شفشاون عبر بلدة «الشرافات»، التقينا بموظف يعمل في إدارة المكتب الوطني للكهرباء. بمجرد أن سألناها عن مزارعي «الكيف»، حتى شرع في كيل السباب لهم. الموظف قال إن مزارعي «الكيف»، الذين يستعينون بمضخات لسقي «الكيف»، يقومون بسرقة الكهرباء من الأسلاك الإنارة العمومية، متسببين في انقطاع التيار الكهربائي، خصوصا في فصل الصيف. بحسب هذا العامل في إدارة المكتب الوطني للكهرباء، فإن فرق الصيانة بالمكتب تسابق الزمن، في فصل الصيف تحديدا، لإصلاح الأعطاب الكهربائية التي تتسبب فيها مضخات سقي حقول «الكيف» التي تتوزد بالكهرباء المسروق من الأعمدة العمومية. كما أن العاملين في المكتب بعدما يستنفدون مخزون آليات إصلاح الأعطاب بالشمال يستنجدون بمخزون جهة مكناس تافيلالت؛ وعندما ينفد المخزون بدوره، فإنهم يجلبون المعدات الخاصة بإصلاح الإنارة العمومية من فرع المكتب الوطني للكهرباء بأكادير. ورغم أن بعض مزارعي «الكيف» يسرقون الكهرباء من أجل سقي محاصليهم، فإنهم لا يترددون في أداء مبالغ الغرامات المالية الثقيلة التي يفرضها عليهم مكتب الكهرباء، ويفضلون ذلك السبيل على شراء محولات كهربائية لسقي محاصليهم.
بحثا عن بديل
دعت هيآت سياسية وجمعيات مدنية، شاركت في مائدة مستديرة نظمت الأسبوع الفائت بدار الشباب في شفشاون، إلى إيجاد حلول مستعجلة لرفع التهميش والغبن عن سكان منطقة الريف. وحثت الهيآت المعنية الدولة المغربية على ضرورة إطلاق دينامية إنصاف ومصالحة حقيقية مع المنطقة وسكانها؛ وذلك بما يعيد إلى المنطقة اعتبارها ويجبر الأضرار الفردية والجماعية الناتجة عن تفاقم معاناة مزارعي «الكيف» وسكان المنطقة عموما، جراء عمليات الملاحقات والمطاردات والابتزاز التي يتعرضون لها. كما دعت الهيآت السياسية والجمعوية كل من وزارة العدل والحريات والإدارة العامة للأمن الوطني وقيادة الدرك الملكي إلى «فتح تحقيق معمق بشأن حالات الابتزاز والشطط في استغلال السلطة التي يتعرض لها المواطنون بحسب الشهادات الموثقة»، محملة الحكومة المغربية مسؤوليتها الكاملة في ما يتعلق بوضع برنامج استعجالي لمعالجة وتصحيح الاختلالات ومختلف أوجه الهشاشة والخصاص المسجل في مختلف مناحي الحياة لسكان الجماعات التابعة لإقليم شفشاون.
وجاء هذا الإعلان بعد وقوف شخصيات سياسية على «حجم وفداحة المعاناة التي يتكبدها مزارعو «الكيف» ومعهم جل السكان الذين يعيشون على امتداد مجال زراعة هده النبتة»، من خلال الشهادات الموثقة والمؤثرة التي أدلى بها مواطنون خلال اللقاء التواصلي بباب برد. شهادات أبرزت حالات تكاد تكون معممة من البطش والابتزاز والمضايقات والمطاردات والتهديدات التي «يتعرض لها المواطنون جراء تعرض الآلاف منهم للمتابعات والملاحقات بسبب الشكايات الكيدية والمجهولة، فضلا عما برز من خلال المعاينات الميدانية من سيادة مناخ الخوف والرعب المهيمن على المنطقة ومن ترهل للبنية التحتية والخصاص المهول في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والصحية و التعليمية وغيرها».
إلى متى سيبقى هذا الملف بدون حل؟ وماذا نخسر الآن من وجوده على هذه الحال؟ يرد أعراب قائلا: «إن الخطوة الأولى قد تمت، وهي كسر هذا الطابو؛ لكن إن لم تتوفر إرادة قوية وقناعة لدى الدولة بأن الوقت قد حان لحل هذا الملف سنظل نضيّع الوقت في عقد اللقاءات والاستماع لخطب الزعماء السياسيين». ومن ثم، يرى أعراب أنه لحل هذا الملف لا بد أن يتحمل الجميع مسؤوليته؛ سواء تعلق الأمر بالأحزاب السياسية الموجود منها في الحكومة أو في المعارضة، أم المجتمع المدني. وشدد أعراب على أنه على الجميع أن يتخلى عن الصراعات الجانبية ويضع اليد في اليد من أجل إنصاف الآلاف من الأسر»، مردفا: «أما ما نخسره فكثير جدا، فبالإضافة إلى الأموال الطائلة التي تفوت على الدولة جراء هذه الوضعية». أعراب يخلص، في النهاية، إلى أن الدولة إذا لم تجد حلا للأمر ستخسر «أجيالا بكاملها، أطفالا لا يجدون المدارس للتعلم ويضطرون للعمل في «الكيف» ويرتمون في براثين المافيا والإدمان، شبابا من هذه المناطق يلقي بنفسه في مواجهة الأمواج للهروب من الواقع البئيس، ورجالا يعيشون في الجبال كالوحوش خوفا من الاعتقال». أما بالنسبة إلى البدائل المقترحة لخلق تنمية حقيقية في المنطقة وربطها بمجال عيش السكان، فإن التقنين وحده أو الزراعات البديلة ليس هو الحل الأنسب، وسكان المنطقة يطالبون بمقاربة شمولية تجمع بين مجموعة من التدابير والإجراءات على أرض الواقع وتأخذ بعين الاعتبار خصوصيات كل قبيلة ومنطقة على حدة، على اعتبار أن لكل منطقة من مناطق زراعة «الكيف» ميزة خاصة. وذهبت جمعية أمازيغ صنهاجة الريف للمطالبة بإحداث «الهيأة الاستشارية لتنمية مناطق زراعة الكيف»، لإجراء دراسات معمقة للتعرف على مقومات كل منطقة في الريف واختيار المشاريع المناسبة لها.
ثروة. من يستفيد من زراعة «الكيف»؟
على عكس الاعتقاد السائد بأن مزارعي نبتة «الكيف» يتمتعون برغد وبجبوحة العيش، فإن شهاداتهم تجمع على أن الأمر يتعلق بمواطنين بسطاء يصارعون الظروف القاسية للحياة، في سبيل توفير أبسط شروط العيش في منطقة تشهد أدنى معدلات التنمية الاقتصادية. هؤلاء المزارعون لا يستطيعون الذهاب إلى معظم المرافق الإدارية العمومية ورؤوسهم مرفوعة، وحصولهم على بعض الوثائق أشبه بالجحيم. وحدهم «البارونات» يستفيدون من المحاصيل التي يزرعها الفلاحون في حواشي الأودية والتلال، وهم يستعملون كل الطرق للضغط على المزارعين الصغار من أجل تركيعهم، مثل الشكايات الكيدية .