ولد جورج اورويل ـ الذي يعتبر واحدا من أهم الكتاب في القرن العشرين بروايته الشهيرة (( 1984)) التي ترجمت إلى 62 لغة وبيع منها أكثر من عشرة ملايين نسخة ـ واسمه الأصلي اريك آرثر بلير ، في ميتيهاري في البنغال بالهند في 25 / حزيران / عام 1903 ، من أسرة يصفها اورويل نفسه بأنها من الطبقة الدنيا- العليا –المتوسطة ، بمعنى أنها كانت تتحلى بمثاليات الطبقة البرجوازية ولكنها تفتقر إلى المال لكي تكون من تلك الطبقة ، كان أبوه موظفا صغيرا في المؤسسة الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية في الهند ، وكانت أمه من أصل هندي .
في عام 1917 أتيح له أن يدخل إلى مدرسة « ايتون » الشهيرة في انجلترا وهي كلية لا يدخلها إلا أبناء الموظفين الكبار أو العائلات الغنية جداً ، ولكنهم قبلوه نظراً لذكائه وإمكانياته الاستثنائية وهناك تعرف على الكاتب الشهير الدوس هوكسلي الذي كان أستاذه في اللغة الفرنسية ، وفي هذه المدرسة شغف اورويل بالمطالعة وراح يقرأ جاك لندن، وهـ. ج . ويلز، وبعض الشعراء ، مكتشفا جمال اللغة الانجليزية، بعد أن قرأ ” الفردوس الضائع ” لجون ميلتون ، ولكنه في عام 1922 ـ وبدلاً من أن يتابع دراساته العليا في جامعة أكسفورد أو كمبردج كما يفعل الطلاب المتفوقون ـ يغير رأيه فجأة ويتقدم لمسابقة من اجل الانخراط في البوليس الإمبراطوري .. وينجح في المسابقة ، ليرسل بعدها إلى برمانيا حيث اشتغل لمدة خمس سنوات كرجل شرطة ، قبل أن يسقط صريع المرض ..
أرسل اورويل إلى انجلترا للعلاج ، وبعد فترة النقاهة قرر الاستقالة من وظيفته ، مفاجئا عائلته بقراره انه لن يكون رجل بوليس بعد الآن ، وإنما سيصبح كاتباً .. وهكذا ذهب اورويل إلى لندن دون أي إمكانيات مادية ، وراح يعيش هناك حياة المتسكع التائه التي تشبه حياة الشحاذين .. قبل أن يكتشف حقيقة نفسه ويعرف انه سيصبح كاتباً ولاشيء آخر .. عند ذاك قرر اورويل أن يذهب إلى باريس .. باريس التي طالما سحرت كتاب وفناني العالم كله .. وهناك أيضاً عاش حياة المتسكعين التائهين قبل أن يصبح غسالا للصحون في احد المطاعم، وفي تلك الفترة الباريسية ألف أول مقالة له بعنوان : ” الرقابة في انجلترا ” .
عاد اورويل بعد ذلك إلى انجلترا ، ونشر مقالة يدافع فيها عن الشحاذين والمتسكعين التائهين الذين يلفظهم المجتمع عادة ويحتقرهم ، ثم نشر أول كتاب له ـ عام 1933 ـ عن حياته الصعبة وذكرياته في كل من لندن وباريس ، وقد ترجم إلى الفرنسية تحت عنوان : ” البقرة الهائجة ” ، ثم عاد اورويل ليعيش الحياة البوهيمية المتسكعة من جديد في انجلترا هذه المرة ، ممارسا أعمالا زراعية صغيرة في الريف الانجليزي ، وفي تلك الفترة قرأ رواية « أوليس » لجيمس جويس وتأثر بها كثيراً.
أخيرا ـ وبين عامي 1932 ـ 1934 ـ حظي اورويل لأول مرة بمنصب محترم نسبياً وهو وظيفة معلم مدرسة ، وعندئذ قرر تغيير اسمه ونشر مقالاته وكتبه منذ الآن فصاعداً تحت اسم مستعار هو : جورج اورويل ، الذي اشتهر به في العالم كله .
اندلاع الحرب الأهلية الاسبانية عام 1936 غير حياة اورويل مرة أخرى ، بعد أن ترك وظيفته في انجلترا وانخرط في صفوف المقاومة ضد الفاشية ، وكانت الجماعة التي التحق بصفوفها في اسبانيا جماعة ماركسية منشقة ومضادة لفرانكو ، وفي أثناء الطريق إلى اسبانيا مر بباريس لكي يلتقي بالكاتب الأميركي هنري ميلر ، وفي اسبانيا عرف اورويل حرب الخنادق وقرأ القصائد الدينية لهوبكنز وكتاب كفاحي لهتلر ، وقرأ أيضا المقالات الغاضبة والحامية لستالين ضد تروتسكي.
في الحرب الاسبانية ، أصيب اورويل بطلقة في عنقه من بندقية قناص ، واجبر على القتال ضد الشيوعيين عندما حاولوا القضاء على حلفائهم في اليسار المتطرف وانتهى به الأمر ـ بعد أن اتهم مع زوجته « ايلين » بالتروتسكية ـ إلى الهروب من برشلونة والعودة إلى انجلترا عن طريق فرنسا.
وفي عام 1939 نشر كتابه « ثناء على كاتالونيا »، وتعرف على الشاعر ” ستيفين سبندر ” ، قبل أن يرحل إلى المغرب ، حيث أقام مدة ستة أشهر في مدينة مراكش ، وهناك ألف كتاباً ذا عنوان شاعري رائع : « قليلاً من الهواء الطري » .
بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية عاد إلى انجلترا حيث وقف بشدة ضد تيار المسالمين الذين يريدون الاستسلام أمام هتلر وحاول الانخراط في الجيش الانجليزي من اجل محاربة الفاشية والنازية ، لكن طلبه رفض بسبب مرضه وصحته المتدهورة ، وعندئذ استقر في لندن وراح يعيش من مقالاته النقدية في الجرائد والمجلات .
بعد الحرب انتخب نائبا رئيسيا للـ « اللجنة المدافعة عن الحريات »، وهي اللجنة التي شكلها هيربرت ريد والفيلسوف برتراند رسل ، ومنذ ذلك الحين راح اورويل يعيش في الجزر ، مقسماً وقته بين المشافي وغرف المطالعة والكتابة ، وفي تلك الفترة راح يشتغل على ما سيصبح لاحقاً كتابه الأشهر: « 1984» ، وقد ظهرت تلك الرواية عام 1948 م ، لتكتسح عالم الأدب منذ بداية ظهورها ، ولتصبح إحدى كلاسيكيات الأدب العالمي التي يقرأها طلاب المدارس الثانوية أو الجامعات في فترة المراهقة والشباب .
عاش جورج اورويل حياة ثرية التجارب غنية المعرفة ، وكان شاهدا كبيرا على زمنه، ومنخرطا في أحداث ذلك الزمن وأهواله بشكل عملي لا نظري فقط ، فقبل أن يصبح كاتباً عاش حياته البوهيمية المتشردة في شوارع باريس، وقبل ذلك عرف حياة الإنسان البوليسي في المستعمرات البريطانية ، ثم عاش حياة الفلاحين في الريف الانجليزي، وتعرف على الظروف البائسة للعمال في المصانع الإنجليزية ، كما عرف معنى الحرب الأهلية المدمرة من خلال الحرب الاسبانية ، وعاش جميع التجارب والمحن، وأدرك ـ بعد أن شاهد الفاشية والنازية والحروب والمجازر ـ أن الإنسان قادر على ارتكاب أبشع الأعمال ، وعرف أن الحرية البشرية قد هبطت إلى الحضيض ، ولكنه لم يستسلم لكل هذه الفظاعة والبشاعة ، وحاول بكل قوته أن يدافع عن الحرية البشرية في اسبانيا، وانجلترا، وأوروبا، وجميع أنحاء العالم من خلال رواياته ومقالاته النظرية، وتأملاته الفلسفية ، وقد أهلته حياته الحافلة ـ وبعد أن لم تعد له أوهام لا على الوجود ولا على الناس ـ لان يكتب روايته : « 1984» .
كان جورج اورويل مفكرا سياسيا من الطراز الأول، وان اشتهر كروائي أكثر منه مفكرا ، وقد خلف وراءه تسعة كتب هامة و700 مقال كتبها خلال 16 عاما، وقد استطاع أن ينجز كل ذلك وهو لم يعش إلا سبعة وأربعين عاما ، وعندما أدركته الشهرة العريضة في أواخر حياته ـ بعد صدور ” 1984 ” عام 1948 ـ هرب من لندن والتجأ إلى الجزر البريطانية لكي يعيش حياة الوحدة والعزلة ، إلى أن مات بعد ذلك بسنتين ، عن عمر لا يتجاوز السابعة والأربعين ، بعد أن ترك لنا درسا في الأخلاقية السياسية مفاده بان الكاتب مسئول عن زمنه ، وان الكاتب إذا لم يدافع عن قضية الحرية والنزعة الإنسانية في زمنه فعلى الأدب وكل الكتابة العفاء ..