ثلاثة خطابات تعكس قلق العاهل السعودي من خطر “الدولة الإسلامية” والجماعات المتشددة وتنتقد “كسل” العلماء فما هي الأسباب ولماذا نختلف مع “آل الشيخ” مفتي السعودية.
وجه العاهل السعودي عبدالله بن عبد العزيز ثلاثة خطابات إلى الشعب السعودي الأول في عيد الفطر، والثاني قبل يومين قرأها نيابة عنه احد المسؤولين، بالصوت ودون صورة، والثالث الأحد بالصوت والصورة نقله التلفزيون السعودي وألقاه أثناء استقباله لعدد من العلماء والأمراء ورجال الدين ومسؤولين ووزراء في الدولة وضيوف كان على رأسهم السيد سعد الحريري رئيس تيار المستقبل اللبناني. المحور الرئيسي في الكلمات والخطابات الثلاثة هو التركيز على الجماعات الإسلامية، وخطرها وتوجيه انتقادات حادة إلى الدعاة ولرجال الدين وصلت إلى حد اتهامهم بالكسل والصمت على تمدد هذه الجماعات واتساع نطاق نفوذها. العاهل السعودي لم يسم أي منها بالاسم، ولكن من الواضح انه يقصد “الدولة الإسلامية” او ما أطلق عليها “داعش” في الماضي، عندما قال “كيف يذبح إنسان آخر كلغنم” في إشارة إلى إعدامات وحشية نفذتها عناصر تابعة للدولة الإسلامية في حق خصومها، وتعمدت إتباع “طرق الرحمة” في ذبح هؤلاء وفقا “لتعاليم الشريعة”، ووضع رؤوسهم فوق الحراب في إطار إستراتيجية الرعب التي تتبعها لإرهاب المملكة. هناك تفسير واحد لهذه الانتقادات وهو وصول معلومات قوية لدى أجهزة الأمن السعودية تفيد بأن الدولة الإسلامية تستهدف المملكة ونظام الحكم فيها، وان هناك قطاعا عريضا من الشباب السعودي بات يتبنى، فكرها وينضم إلى صفوفها، وهو الفكر الذي ينشره حاليا دعاة من الشباب بطريقة سرية منظمة. ما يجعلنا نرجح هذا التفسير أربعة أمور أساسية:
*الأول: كشف أجهزة الأمن السعودي لـ”إمارة” إسلامية لها أمير ووزراء داخل المملكة قبل بضعة أشهر كانت تجلس على ترسانة من الأسلحة وملايين الريالات، وتخطط لأعمال تفجير واغتيالات داخل المملكة، ومن بين هؤلاء أمراء في الأسرة الحاكمة.
*الثاني: المراسيم الملكية التي صدرت في الفترة نفسها تجرم عدة تنظيمات إسلامية وتضعها على لائحة الإرهاب، وتعاقب كل سعودي ينتمي إليها أو ينخرط في صفوف التنظيمات الجهادية الأخرى مقاتلا، بعقوبة سجن تصل إلى 15 عاما.
*الثالث: اتساع نطاق المناطق التابعة للدولة الإسلامية وسيطرتها على محافظات عراقية مهمة من الانبار ونينوى وصلاح الدين ومعظم المعابر الحدودية مع سورية والأردن، وتعزيز وجودها في الرقة ودير الزور في سورية ومناطق أخرى في حلب وحمص، واقترابها من الحدود السعودية العراقية في عرعر ورفحة بعد انسحاب القوات العراقية من الجانب العراقي من الحدود، وتزامن تحذير العاهل السعودي مع سيطرة قوات “الدولة الإسلامية” على مدينة سنجار في شمال العراق بعد هزيمة قوات البشمرغة الكردية، ومدينة “وانة” ومعظم سكانهما من الأكراد وأبناء الطائفة الازيدية، مما يعني أنهم على وشك السيطرة على سد الموصل، رابع اكبر سد في الشرق الأوسط.
*الرابع: وصول تقديرات مؤكدة أن عدد السعوديين الذين يقاتلون في صفوف الدولة الإسلامية وصل إلى خمسة آلاف والعدد في تزايد معظمهم من الشباب في العشرينات من العمر. فاذا كانت قوات الدولة هزمت جيش المالكي، وقوات البشمرغة التي تعتبر من اكثر الوحدات العسكرية تدريبا وتسليحا (دربتها إسرائيل)، فان حظ القوات السعودية أمامها في حال دخولها الى مناطق في المملكة ربما لن يكون أفضل، وهنا تكمن المعضلة، فهي غير مدربة على حرب العصابات، علاوة على انعدام الخبرة العملياتية الميدانية أو معظمها. انتقاد العاهل السعودي لرجال الدين والدعاة واتهامهم بالكسل مفهوم، فمعظم هؤلاء إما يؤيدون الدولة وفكرها في الباطن، ولا يريد خوض المجاهرة وأما أنهم ، أو بعضهم، يخشون بطشها، لا يريدون أن يحسبوا على النظام وهذا ما يفسر صمت علماء كبار على هذه الظاهرة وعدم التصدي لها وتكفيرها مثلما تطالبهم السلطات. لا شك أن “الدولة الإسلامية” تشكل خطرا كبيرا على القيادة السعودية وتتبنى فكرا متشددا تكفر من خلاله الكثير من مخالفيها، وتمارس القتل بطريقة يعتقد الكثيرون أنها لا تتماشى مطلقا مع تعاليم الشريعة السمحاء وتتناقض مع شرط “التمكين” لإعلان دولة الخلافة، ومن بين هؤلاء شيوخ في الأردن مثل ابو محمد المقدسي و”ابو قتادة” وهيئة كبار العلماء في السعودية ومشايخ الأزهر. ولكن طريقة مواجهة “الدولة الإسلامية” يحتاج إلى تبني إصلاحات جذرية واتخاذ مواقف من المملكة غير بعض المواقف التي تتبناها حاليا، مثل الصمت على ذبح الإسرائيليين للأطفال في قطاع غزة وعدم الإقدام على أي خطوات جدية في هذا الصدد، فالذبح هو الذبح سواء كان بالسكين أو بطائرات اف 16. فعندما يخرج علينا الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتي المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء فيها بفتوى يصف فيها المظاهرات التي انطلقت في أكثر من عاصمة عربية ضد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة بأنها غوغائية ونوع من “الترهات”، ويقول أن إرسال المساعدات المالية هو الأجدى، فان هذا يصب في مصلحة الإسلام المتشدد، ويدفع بالشباب الغاضب للانضمام إلى صفوفه للخروج من حال الإذلال التي تعيشها الأمة علي أيدي الإسرائيليين، فإرسال المال وليس المجاهدين لنصرة إخوانهم في غزة عملا ناقصا في نظر هؤلاء، خاصة أن أبناء قطاع غزة لا يصلهم هذا المال بسبب السطوة الإسرائيلية وعدم إصرار الحكومات العربية التي تعلن رفضها لمساعدتهم على كسر هذا الحظر الإسرائيلي المهين ولا إنساني، ومن هنا تظل أعمال التظاهر والاحتجاج هي اضعف الإيمان بالنسبة للشباب العرب المحبط الذي يرى أشقائه يذبحون وتدمر بيوتهم فوق رؤوسهم وتنسف مستشفياتهم، بينما لا تحرك الجيوش العربية المدججة بأسلحة وطائرات حديثة ساكنا. من حق العاهل السعودي أن يقلق من اتساع رقعة “الدولة الإسلامية” و”انتصاراتها” ولكن خطط المواجهة التي يقترحها، أي حصرها في رجال الدين فقط، ستكون غير فاعلة حتى لا يتخلى هؤلاء عن كسلهم وصمتهم، فالأمر يحتاج إلى عملية تغيير واسعة تشمل إصلاحات وسياسات ترتقي إلى مكانة المملكة وواجباتها.