فوز اردوغان الكاسح بالانتخابات الرئاسية يعيد عهد السلاطين العثمانيين بدون طربوش.. التحديات القادمة ستكون اكبر.. وأهل غزة الأكثر احتفالا.

0

ARDORAN

بفوزه الكاسح، وغير المفاجيء في انتخابات الرئاسة التركية التي جرت يوم الاحد دخل السيد رجب طيب اردوغان التاريخ التركي ليحتل مكانة ابرز، واكثر اهمية في رأينا، من المكانة التي احتلها مصطفى اتاتورك الذي يطلق عليه لقب مؤسس تركيا الحديثة، مع تسليمنا بأنه في مسيرته السياسية، ارتكب بعض الاخطاء، ولكنها تظل محدودة بالمقارنة مع انجازاته الكبيرة في ميادين التحديث والتنمية الاقتصادية والنهضة التعليمية.

اتاتورك بنى امجاده على التحالف مع القوى الغربية، والعداء للاسلام، والتنكر للامبراطوية العثمانية، وادارة ظهره الى الشرق باعتباره ابرز عناوين التخلف، وغير هوية تركيا الثقافية والسياسية والاجتماعية وفق مفاهيم “التغريب” التي آمن بها لدرجة التقديس، ولكنه فشل في جعل تركيا جزء من اوروبا، وتحويلها الى قوة اقتصادية او سياسية يعتد بها، رغم تقديمه كل التنازلات المطلوبة.

“الرئيس″ رجب طيب اردوغان الرجل القادم من بيئة فقيرة معدمة، اختار طريقا معاكسا كليا، يرتكز على رد الاعتبار للهوية الاسلامية لتركيا، وتحقيق التزاوج بين الاسلام والديمقراطية، على ارضية التنمية الاقتصادية، والارتقاء بالمستوى المعيشي للانسان التركي، واخراج البلاد من ازماتها الاقتصادية الاعظم في العالم محتلة المكانة السادسة عشرة.

منذ ان تولى السيد اردوغان السلطة كرئيس للوزراء عام  2003 بعد فوز كاسح في الانتخابات استطاع جذب اكثر من 100 مليار دولار من الاستثمارات الخارجية، ووصلت قيمة الصادرات التركية الى 152 مليار دولار في العام الماضي وهي مرشحة لزيادة في حدود 10 بالمئة هذا العام، اي عشرة اضعاف قيمة الصادرات التركية قبل عشرة اعوام اي قبل تولي اردوغان السلطة.

صحيح ان العام الماضي شهد مظاهرات عاصفة ضد السيد اردوغان وحكومته، تزامنت مع فضائح فساد طالت بعض وزرائه بل وافراد من اسرته، وصحيح ايضا انه تعرض لاتهامات بالديكتاتورية وكبح الحريات الصحافية بالسيطرة على وسائل الاعلام ومنح بعض وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن الصحيح ايضا ان الغالبية الساحقة من الشعب التركي انتصرت له وصوتت لحزبه “العدالة والتنمية” في الانتخابات البلدية التي جرت في آذار (مارس) الماضي، بحيث حصد الغالبية الساحقة في جميع البلديات تقريبا باستثناء واحدة او اثنتين مثل بلدية “ازمير” ولاسباب معروفة.

فوز السيد اردوغان بالرئاسة لمدة خمس سنوات جاء ردا من خلال صندوق الاقتراع على معارضيه وخاصة حليفه السابق فتح الله غولن الداعية الاسلامي المقيم في امريكا، وحزب الشعب الجمهوري القومي العلماني، ولكن هذا الفوز يضع مسؤوليات كبيرة على عاتقه ويجعل من محاولاته تعديل الدستور للحصول على صلاحيات اكبر عملية محفوفة بالمخاطر داخل حزبه وخارجه، ولكنه مثلما واجه كل التحديات السابقة بنجاح سيفعل الشيء نفسه في التعاطي مع هذا التحدي.

اردوغان اليوم، وبعد هذا الفوز لم يعد رئيسا لحزب العدالة والتنمية، وانما اصبح رئيسا لاكثر من 75 مليون تركي، الامر الذي يحتم عليه التعاطي مع هؤلاء جميعا على قدر المساواة دون اي تفرقة او تمييز، وان يعلي من سقف الحريات وتقبل الرأي الآخر، واعادة النظر في العديد من سياساته الاقليمية السابقة وما شابها من مواقف كادت ان تعصف بالكثير من انجازات حكمه الاقتصادية واستقرار بلاده الداخلي.

ربما يؤدي هذا الفوز الكبير للسيد اردوغان في انتخابات الرئاسة الى حالة احباط في صفوف بعض الانظمة العربية المعادية له وسياساته الداعمة لحركة “الاخوان المسلمين” مثل سورية والسعودية والامارات ومصر، ولكنه لم يكون كذلك في قطاع غزة مثلا، حيث ما زالت العديد من فصائل المقاومة وقطاع عريض من الشعب تقدر له مواقفه القوية الداعمة للمقاومة، وخاصة حركة حماس، ورفع الحصار المفروض على قطاع غزة.

لا نستبعد حدوث تغييرات في بعض السياسات التركية في المرحلة الجديدة لحكم “الرئيس″ اردوغان خاصة تجاه سورية، بعد التقارب الكبير بينه وبين ايران، وظهور “خطر” الدولة الاسلامية الذي بات يهدد تركيا اكثر مما يهدد النظامين السوري والايراني ناهيك عن العراقي.

اردوغان بات السلطان العثماني الجديد، ولكن بدون طربوش وشنب عريض ولحية كثة، سلطان اكثر حضارية ودهاء في تعاطيه مع تطورات منطقة هي الاكثر اشتعالا واضطرابا في العالم باسره، وهذا هو سر بقائه طوال السنوات العشر الماضية، وازدياده قوة رغم الطابور الطويل من الاعداء الداخليين والخارجيين، فرصيده الحقيقي هو التفاف النسبة الاكبر من الشعب التركي حوله، واعتماده على انجازاته وحكم صناديق الاقتراع الحر النزيه المباشر.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.