قد يعتقد الكثيرون أن الإعلام لا يؤثر وأنه مجرد بوق صغير يخبر الرأي العام عن بعض ما يقع هنا وهناك ، ويعتقد آخرون أنه ممارسة من لا مهنة له ، وقد يعتقد الكثيرون أن ممارسة هذه المهنة ” الحرفة ” هي شيء بالسهولة والبساطة واليسر البين ” زيد نديرو موقع ” ” نديرو صحافة ” . الذين يفكرون باعتقاد جازم أن الإعلام والصحافة هي بنفس السخافة التي يرددونها هم مجرد حمقى .
ببساطة يتم اليوم تسويق الإعلام بإقليم الرحامنة بشكل سيء ورديء جدا إلى غاية الانتهاك ، انتهاك حرمات الإعلام من طرف من هب ودب واحتقار الصحافة والصحافيين ، يشبه ما تبت في تاريخ الفلسفة العربية حينما انتقد بن رشد ابن سيناء لسبب وحيد معروف هو أن بن سيناء من يتحمل بتقدير ابن رشد انحطاط الفلسفة لأنه جعلها في متناول العامة كما ورد في كتب كثيرة ، وقد تكون الصحافة اليوم تعيش نفس الغربة والانحطاط ، فرسالة الإعلام نبيلة وتحتاج إلى مقومات ، ربما بتقديري هناك إجهاز اليوم على القلم في هذه البيئة، أو أن هناك مخطط لتمييع الحقل الإعلامي وقتله بالمرة ، حتى يغدو إعلاما لا يرقى إلى المستوى الذي يفرض احترامه ونبل رسالته ، والاحترام تفرضه عادة المادة الإعلامية قبل السؤال عمن يكون صاحبها ومن أي ” تنور ” خرجت ، بنفس الوحشة التي تأسرنا ونحن نقرأ الرواية والشعر أو نسمع الموسيقى ، تغرينا اللغة والكلمة وكل الأشكال التعبيرية الجيدة ويغرينا اللحن تم نسأل بعدها عن الملحن وعن من أنتج تلك الأشكال الرائعة .
في تجربة بلاد بريس الالكترونية التي تعيش عامها الثاني ، والتي خرجت في جو كان لا بد من أن نخطو فيه إلى الأمام في الصحافة الالكترونية لأنها أصبحت مطلوبة ،يومها لم نأتي من فراغ ، ولم نكن عكس إراداتنا ، كان أحمد وردي يجر وراءه تاريخا من الصحافة حتى مع ” التنكر ” والجحود والضغينة التي تواجه الرجل فإنه إعلامي وخريج معهد الصحافة وقلم ، وجدناه في مكان لا بأس به من الممارسة الإعلامية الوطنية وبعدها المحلية ،وانطلقنا ننشد معه على نفس الوتر حينما تبين له ولغيره أنه يمكننا أن نتحول إلى إعلاميين ، لم نكن نزكي أنفسنا بل زكتنا قناعات أخرى من العارفين والمتابعين الأكفاء ، ويمكن القول هنا أن بلاد بريس محصلة مسيرة من التجارب الورقية التي وجدنا أنفسنا في جزء منها ” جريدة المدينة الخضراء الورقية “، واستثمرنا المعرفة العلمية لأحمد وردي ولا نزال في هذا الباب ، ومع كل ذلك وحتى إلى حدود اليوم فإننا لا يمكن أن نتطاول على علم لم نؤتى السعة منه ، سقت هذا المدخل للوصول إلى أن الإعلام ليس امتهان كباقي المهن ، ولا يعني بالكاد مهنة المتاعب هي الانشغال اليومي ، سعي بين المؤسسات أو ظنك الكتابة ، لأن الكتابة الصحفية هي القشة التي قصمت ظهر “الكيدار ” وهي الكارثة الكبرى في هذا المقام ، وبتقديري فبلاد بريس استطاعت أن تتحول في زمن قياسي من الإعلام إلى التأثير والتوجيه ، مقياسنا هو ما وراء ” الستار ” الذي يطلعنا على مقرؤية المواضيع والمواد وتفاعل القراء معها ، وانتشار بلاد بريس قراءة وتنويرا ليس من قبيل الصدفة لا، بل بالعكس ، هو باكورة الموهبة والحب لذات المهنة والخوف منها وعليها رغم الانتقاد الجارح ، لنخلص إلى القول أن مهنة المتاعب لا تعني تسويق جريدة أو موقع بلا توفر القدرة في تلك الجريدة أو الموقع على الاكتساح والتأثير في الرأي العام وصناعته بما يتوفر عليه الإعلامي أو الصحفي من المقدرات العلمية واللغوية والتحليلية ، فليس كافيا لأن يقول العالم فلان ابن فلان ، يجب أن نؤمن كما هو سائد بأنه لا يجوز أن ندافع عن ما ننتج ” دع ما تنتج يتحدث عن نفسه منفردا “.
إنني في هذا المقال أردت فقط أن أشرح بعض مما يحتاج إلى توصيف ، لأن واقع الصحافة اليوم بابن جرير يغري بالكتابة ويغرني كمتلقي بالكتابة عنه ، فلو وضعت نفسي موضع القارئ العادي فإن ما سأتلقاه يوميا من ما يسمى صحافة يشبه ” الكورال ” يسوق سوقا في اتجاه لا أفهمه ولا يصنع رأي عام ولا يؤثر ، ولولا بلاد بريس مع كل الانتقادات لطاقمها وكل مساوئ الوضع الراهن الذي لا يحترم الصحافة ، اعتبر نفسي محضوضا لأنني على الأقل أملك الجرأة لقولي أنني وجدت من أتعلم منه ، ووجدت من يقول لي صراحة أنك لا تزال تحتاج إلى إمكانيات كبرى كي تصيغ مقالا جيدا، ووجدت من يذكرني بعيوبي ، ووجدت نفسي مجرد هاو في مهنة تحتاج إلى باع من التجربة وهو كبير ،وإلا كنت امتهنت أشياء أخرى حتى لا أقول بغرور مقتنعا بأنني صحفي أو كاتب أو إعلامي والعالم من ورائي يسبني ويشتمني ويسخر مني في كل اتجاه .