ابن جرير : من زمن “الإقلاع” إلى زمن الريع و الإسمنت ومن زمن التأطير السياسي إلى زمن الحشد الغوغائي.

0

TABI

عبد الكريم التابي.

هذه المدينة الهاربة من زمن الغبار إلى زمن الخرسانة، ومن زمن الاستبداد الخشن إلى زمن الاستبداد الناعم أو “اللايت”.هذه المدينة ، وهي إقطاعية فوتها المخزن ذات سبعينية وثمانينية من القرن الفائت إلى طغمة من اللصوص ، وأجاز لهم استباحتها سرقة، وفتونة ،وبيعا ،وشراء ،واستئجارا، ورهنا ،لذمم الناس بالمال السيال من صندوق القباضة ،مبيضا ومغسولا بالصفقات النتنة، وسندات الطلب المغشوشة.هذه المدينة التي “دبر” شأنها العام فيلق من النكرات والتوابع والخدم الذين لم يكونوا يقومون سوى بدور السخرة لأسيادهم الذين يتربعون على عرش اللوائح.هذه المدينة التي  يتسرطن فيها اليوم الإسمنت المسلح بالطول وبالعرض ،ويلطخ   الرماد والقتامة واجهتها المرمرية الساكنة بين ضلوع وأحشاء  المدينة المرمرية الخضراء القادمة على هودج من اللجين، يحمله جرار من زمن شباط ولشكر ومن على شاكلتيهما. هذه المدينة ، مدينة لجمعية اسمها “الإقلاع” التي قبضت على الجمر في زمن الجمر ،وبقيت متمسكة بآخر ما تبقى من حطام الروح، مكافحة وصامدة لتوفير الرأسمال اللامادي للأجيال اللاحقة.وهذه المدينة مدينة لحركة واحدة دون سواها اسمها اليسار والتي أوجدت للباحث والسياسي والصحفي والمؤرخ ما يفيد على وجود حراك سياسي ما في زمن ما.

ويسرني كثيرا أن أسترجع مع رفاقي في جمعية”الإقلاع الثقافي” أول جمعية في تاريخ منطقة الرحامنة ،ومع كل رفاقي في حركة اليسار، كشكولا مختصرا لما كانت تمور به جماعة ابن جرير القروية المغبرة البائسة من ديناميكية ثقافية وسياسية في مواجهة كائنات مستنسخة بأثر لاحق من فكر “داعشي”يقيم للثقافة المشانق ،ويسحل السياسة كخدمة عمومية في الساحات العامة وعلى رؤوس الأشهاد.

محمد الركاب  مخرج الفيلم السينمائي (حلاق درب الفقرا) يحل ضيفا بابن جرير بجهاز تنفس اصطناعي  فيشهق أخر شهقاته قبل أن يسلم الروح أياما بعد زيارته. عبد الحق الزروالي(في “برج النور”و”بعكاز الطريق”  يتبجح  بدار الشباب هازئا دون استحياء من  المسرحي العالمي” برلترولد بريخت” .. محمد عزيز الحبابي(الفيلسوف) المرشح آنذاك لجائزة نوبل، يفلسف تأخر العرب عن الغرب بقاعة الندوات بالحاضرة الفوسفاطية  ، محمد قاوتي(كاتب مسرحي مغربي مغمور) لا يعترف بشاعرية وعبقرية محمد الماغوط !!!، ناس الغيوان يراقبون الشمس طالعة من أكوام الفوسفاط في سهرة أدخلت المرحوم المعلم باكو في نوبة من “الحال” TRANCE ، نادي خشبة الحي(فرقة مسرحية) يضعون الدجال في سلة المهملات المتحركة(بدار الشباب) في انتظار قيامة أخرى .مسرح اليوم بقيادة عبد الواحد عوزري وثريا جبران ومحمد بسطاوي يروون “حكايات بلا حدود” بقاعة العروض بالفوسفاط . عبد الرفيع الجواهري(صحفي وشاعر ومسؤول سياسي سابق بالاتحاد الاشتراكي)  يطل خجولا بين الحين والآخر من وراء اجبيلات سيدي بوعثمان ،ويتمسك سياسيا بخيار المشاركة المطلقة والمستقيمة وغير المشروطة في مؤسسات الدولة . حسن نجمي (شاعر ورئيس سابق لاتحاد كتاب المغرب) يدعو ــ قبل أن يحوله بعض رفاقه في الحزب إلى مجرد شعرور سقط سهواـ

 ــ إلى تماسك الشبيبة الاتحادية. صلاح الوديع (شاعر ومعتقل يساري سابق، لم يجزم بأنه مازال هناك في القلب ما يستحق الانتباه، ويوقع روايته “العريس”بدار الشباب تحت سيل من دموع جراحات الصدر العالي. محمد الساسي(اتحادي سابق وقيادي حالي بالاشتراكي الموحد  يدق ناقوس خطر التجريبية والانتظارية . الفقيه البصري(مقاوم بارز ومعارض عنيد) يتشبت بالكتلة التاريخية . عيسى الورديغي(أمين عام سابق للحزب الذي كان يسمى PSD ،يوشح صدور أتباعه المنشقين (بسينما شهرزاد) عبد السلام المؤذن(شهيد منظمة العمل)، يؤكد أن الفصل 19 عائق كبير للديمقراطية . محمد المريني(قيادي سابق بمنظمة العمل)، يبشر أتباعه(المنشقين الجدد) “بالمغانم” الجمة من المشاركة في حكومة اليوسفي . محمد بودلال (قيادي سابق بمنظمة العمل) هذا الوجدي الصموت يصرح أن التناوب مشروع لم يبدأ بعد . لحسن زغلول (مقاوم رحماني) بعد 35 سنة من الاغتراب القسري بالجزائر ينبش في تاريخ المقاومة بالرحامنة . خالد الجامعي(قيادي سابق بحزب الاستقلال) بلكنته البدوية يراكم مواقفه للا نفصال عن حزب الاستقلال . المصطفى بوعزيز (قيادي سابق بمنظمة العمل) يصحح لأحد المتمركسين الذي أصبح من خدام الحركة الأوفياء، أن ايكس ليبان لا توجد في سويسرا . امحمد طلابي (قيادي سابق بمنظمة العمل)، الماركسي المتشدد الذي تحول إلى داعية في حركة الإصلاح والتوحيد يتدخل لفض نزاع حول مقر المنظمة . احمد حرزني أحد مؤسسي حركة اليسار الماركسي، يقرأ بيان المؤتمر القومي الإسلامي بمقر المنظمة ، ويتناول عشاءه في مقهى أنوال. عبد الصمد بلكبير (قيادي سابق بمنظمة العمل) يقوم بنشاط غير مسبوق من العباسية إلى ابن جرير . امبارك المتوكل(قيادي بحزب الطليعة) ضيف دائم . اليزيد البركة (قيادي بحزب الطليعة) يصحب معه احتمالات مشاركة الطليعة في الانتخابات.الأستاذ النقيب عبد الرحمن بن عمرو (الكاتب الوطني للطليعة)، برافع عن مناضلي الجمعية والحزب بالمحكمة الابتدائية. محمد اليازغي(قيادي اتحادي ووزير سابق) يؤكد بمجمع الصناعة التقليدية، أن لا خيار للمغاربة، سوى مساندة الحكومة الذي هو عضو فيها ……..محمد الحبيب طالب(قيادي سابق بمنظمة العمل) يذرف دموع الحسرة، ويعتبر عدم مشاركة المنظمة في انتخابات 16 اكتوبر 92 جريمة لن تغتفر. وحين قيل له إن أحزابنا الوطنية عاجزة وفاشلة، أجاب ” نقضيو بالخبز والدواز حتى يجيب الله الخبز والدجاج ”
كل هؤلاء مروا ذات يوم من هنا بحسناتهم وسيئاتهم ………كل هؤلاء أدخلوا الدفء إلى المقرات ودار الشباب والجلسات الخاصة . فكم هو جميل ذاك الزمن بشغبه واحتكاكاته، وكم هو فاتر ومر ورمادي قاتم هذا الذي نحن فيه……مططتنا اتفاقية ايكس ليبان لستة عقود من التيه والضياع، ولاعبنا “المسلسل الديمقراطي “لعشرين سنة ،ودوخنا “الانتقال الديمقراطي”و”التناوب التوافقي” المفترى عليه وتلك الانعطافة الخبيثة للاتحاد الاشتراكي ، لعشر سنين ،أدخلونا بعدها “للعهد الجديد” لعشر سنين أخر ،لنجد أنفسنا داخل عنوان جديد اسمه “الاستثناء المغربي” بعد الظلام العربي الذي أنتج مولودا خديجا اسمه “داعش” هناك وقريبا جدا “دامس” هنا. فما أبشع أمسيتنا يا سقراط !!!شربت كل ما في الكأس من سم، وتركتني عربيا تقتلني اللغة العربية.ما أبشع أمسيتنا من الأمس حتى اليوم ،من إيكس ليبان حتى اللبار وشباط.

                      عبد الكريم التابي

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.