سئل السيد الريع حفظه الله وسدد خطاه ـ وهو يحل مقيما دائما بمدينة ابن جرير ، منذ هبوب تلك الريح السموم اللافحة ـ عن أحسن وصفة لتصليب عود ذاك الوليد الدلول الدلوع المسمى : المشروع التنموي الكبير،والتي بإمكانها تنمية ملكات الجهل والانتهازية، وتعزيز مكتسبات التبعية والانقياد. فاستوى السيد الريع في جلسته ونحنح فقال: الريع ..الريع ..الريع ،وأخذ يرددها حتى أغمي عليه.
شكرا لك أيها السيد الريع المبجل، لأنك صرت حكيما يعود إليك الحكماء للبحث عن الحكمة، ويعتد بك أولو الأمر والنهي مرجعا يهتدون به في دراسة الجدوى واللاجدوى في مشاريع الخير التي لا يرقد لهم جفن، حتى يطلبوا مشورتك أيها المخلص المخلص(بتشديد الصاد) العزيز.
شكرا لك وطوبى لك، لأنك صرت أكبر من الحكامة ،بل أنت الحكامة التي لا تتجسد إلا فيك، وكيف لا وقد دست بجزمتك المصنوعة من جلد الثعالب والضباع كل الهراء الصلب والسائل للمسؤولية والمساءلة، والشفافية وتكافؤ الفرص، وهلم تخريفا من الكلام المنمق الذي لم يعد يردده سوى شرذمة من الفشلة واليائسين ، وهواة بيانات الشجب والإدانة والباحثين عن “اليقظة” المتأخرة في “أنوار” الليل الدامس.
شكرا أيها الريع الفضيل الفاضل على هذه القدرة الخارقة التي تمتلكها في إعادة تصوير مشهد الخلق في “الانفجار العظيم” (BIG BANG) لهذا “المسخ المدني” الذي ينبت كالفطر ويتكاثر كالبكتريا التي تنمو وتتغذى وتتنفس بكرمك المدرار.
شكرا أيها الريع،على هذه الميلودراما التي تدغدغ العواطف وتهيج المشاعر، وتسافر بالأرواح في عوالمك الفياضة والجوادة بالملايين التي تتناثر على الخلق وهم لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما.
شكرا على وقار شعيرات لحيتك الكثة البيضاء ،وهي تربت في دعة وحنان على كتف كل من قصد بيتك وتمسح ببركتك، ودعا الله أن يبقيك ملاذا لكل ذي مأرب وحاجة، وأن يعينك على كل ما نويته وتنويه لإسعاد كل المؤمنين بما يخالج سريرتك،وأن يملأ قلبك بالسماحة والرحمة والعفو على تلك الشرذمة الضالة ،العاقة ،الجاحدة ، الناكرة، المنكرة.
شكرا أيها الريع الطيب، لأنك هذه الأيام دوختنا حتى الثمالة وأسكرتنا حتى الثمالة، وجعلت كل واحد منا يحمل في الداخل ضده، يميني متأسلم بعد صلاة الفجر،يساري بعد غروب الشمس ،مخزني من الشفق إلى الغسق ،عاشق للفؤاد كلما دعت الضرورة، وبلا وجه و وبلا خيال في كل الأوقات.
شكرا أيها الريع الماكر،إذ حملت النسوة الغاضبات على المطالبة بحقهن في المناصفة في المرتبة والاعتبار مع قريناتهن المصنفات والمصطفيات ،وتركتهن يبحثن في مخلفات ملابسهن عن بعض تعابير الاستهجان، وحشرجات مبحوحة لا تكاد تخرج من الحلق، رفضا لمنطق التعيين والمعاملة التفضيلية غير المبررة، والساكنة هلوساتها في حزمة المليار والأربعة مليون التي فرقت الخليلة عن خليلتها.
شكرا لك أيها الريع، وشكرا لغوايتك الساحرة، التي تتبختر في غنج ، بين النون والقلم وما يسطرون ،وتتباهى في امتهان لكرامة خادمات البيوت ، وتستغرب فاغرة فاها أمام براءة أطفال التعليم الأولي، ومستقبلهم الهلامي. وتصغي السمع لارتداد رجع الصدى في الطلاء المرمري لدار الصحافة ودار الأوبرا للثقافة والفنون.
شكرا لك أيها الريع الحليم الحالم المتسامح ،لدهائك وتحملك، استطعت أن تجعل من كل شاردة على قارعة الطريق فاعلة جمعوية، ومن كل عابر سبيل قلما، ومن كل من لم تبصر عيناه كتابا مثقفا،ومن كل من جال على كل غيران الأحزاب سياسيا ، ومن كل من طوق جيده بربطة عنق فاخرة ،وحافظة نقود جلدية ، وامتطى صهوة سيارة رباعية الدفع،”عينا “(من الأعيان) عصريا يسجل عضوا كامل العضوية في نادي “النخبة الجديدة”..واستطعت أن تجعل من كل مرتد تائبا ، ومن كل كاسر داجنا .
شكرا لك أيها الريع ، فقد أدخلتنا في نوبة لا تنتهي من “الحال” التي تأسر عقل عدو قبل صديق، وأجبرتنا أن نردد مع ناس الغيوان:
هنيئا لك يا ريع وطوبى
لقد ربحت النبذ ربحا والذنوبا
يا جنود الريع هبوا
واصنعوا حزبا عجيبا
شكرا لك أيها الريع، وما أجلك ! وما أعظمك ! فأنت البيرق ونحن وراءك الفيلق ، بيت بيت ،دار دار، زنكة زنكة.
شكرا لك أيها الريع الودود على كريم صنيعك. دع صنبورك ينساب مدرارا، زلالا،ولا تهتم بالفاتورة وللفاتورة، فأنت وحدك لا غيرك ، يعرف من يؤديها . ودع جماعة الأغفال عديمي الخبرة في كهفهم السحيق يتناوحون مع الشيخ إمام عيسى، وهم متحلقون في ضعف ومذلة حول “براد” شحتوت من الشاي البارد الرديء:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ***** ويأتيك بالأخبار من لم تزود