أنا لست أنا، أنا غدا شخص آخر! كائنات سياسية لا تشيخ ولا تتبدل، ولا يؤثر فيها قانون التغيير، وتبقى دائما كما هي شابة وصامدة

0

HAMID

حميد زيد كود-

أنا لست أنا. وما كنته أمس ليس أنا اليوم. كل شيء يتغير، الحصى والماء والإنسان طبعا.
ويقرفني من يحاكم الأشخاص لأنهم لم يعودوا كما كانوا من قبل، ويقولون فلان تغير، وعلان قلب معطفه، وآخر تخلى عن مواقفه، وهناك من ينشر الصور ويقارن بين الماضي والحاضر.
الطبيعي أن يتغير الإنسان، وغير الطبيعي والمثير للاستغراب أن يبقى كما هو.

الذي لا يتغير هو الذي يقعد في مكانه ولا يبرحه ولا يرى ما يحدث في العالم، ولا يتدخل في أي شيء، ولا يقرأ ولا يسمع، وحتى هذا الأخير، قد تصيبه نزلة برد، أو ضربة شمس، فيتغير، ويحتاط، ويواجه الحياة.

يحدث هذا أكثر في السياسة، والتي ننظر إليها كشيء ثابت وجامد، ونحاكم ممارسيها بناء على ما كانوا.

نخرج صورة مصطفى الرميد من الأرشيف، ونقول لماذا لم يعد يحتج ويرفع الشعارات واللافتات.

وننظر إلى الإرهابي السابق ونتساءل لماذا لم يعد إرهابيا، وإلى الماركسي ونحتج لماذا صار ليبراليا، وإلى الفقير ونرفض أن يصير ميسور الحال.
ينتقدون الدين والإيمان ويطلبون منك أن تؤمن إيمانا أعمى بأخطائك السابقة ويقينياتك.

التغيير عندهم حرام، والتقدم حرام، ابق كما أنت، ولا تتطور، ولا تخط خطوة إلى الأمام، ومهما حدث تشبث بإيمانك.
يأتون ببنكيران ويقولون لاحظوا كيف أصبح يناقض نفسه.

ويأتون بالاتحاد الاشتراكي ويصرخون يا للهول لم يعد يساريا، وبالتقدم والاشتراكية ويكتبون الشيوعي السابق، ليغمزوا بأنه غير مواقفه ولم يعد شيوعيا.
كأنه من اللازم أن يبقى الحزب، أي حزب، حبيس أوهامه، وحبيس الماضي، وحبيس ما انتهى ومات.

أغلب الذين يحتجون على التغيير وتبديل المواقف، مكتفون، والحقيقة عندهم مكتملة وتوجد في الماضي، ومهما ادعوا أنهم تقدميون، ومهما صدعونا بالحداثة، فهم يؤمنون إيمانا أعمى بالأصل وبالثابت والجمود، ويتحكم فيهم أمس، وبتأثيره يبنون مواقف اليوم.

التشبث بالموقف الثابت واللاتنازل عن الرأي واللاءات الثلاث والمائة والألف والصمود، عندما تطول وتمتد في الزمن تتحول إلى مرض سياسي، إنها نتيجة الكسل الفكري وراحة الموقف الثابت الذي لا يتزحزح قيد أنملة، وعدم المواكبة والاستماع إلى الرأي الواحد وغياب المبادرة.

حتى الموت ليس واقعيا ولا يصدقونه، ومن مات لم يمت، لاحظوا العدل والإحسان مثلا، كل شيء يتغير إلا هم، والشيخ ياسين لم يمت، وينتظرون عودته، إنه مازال مسؤولا إلى اليوم، ومازال مرشدا، ولا يقومون بأي خطوة، ولا يساهمون بأي شيء، والمستقبل والحاضر عندهم توجد حلوله في الماضي، غائبون في الموقف الثابت، ويرفضون المشاركة في كل شيء، وينتقدون من يحاول ومن يتغير ومن يعيش زمنه ويفعل فيه.

لاحظوا النهج، حزب صغير غيره الواقع والطبيعة والزمن، ومعظم قيادييه هم الآن بورجوازية صغيرة، ولأنهم ثابتون وصامدون ومؤمنون بأفكارهم، ينفون أنفسهم ويرفضونها، وينفون الواقع، ويعيشون أيامهم العادية وتبضعاتهم وممارساتهم ليبراليين، ويتنكرون في نفس الوقت لذواتهم، ويعتقدون أنهم بروليتاريا، ولا دور لهم ولا مشاركة، إلا بعد أن تقع الثورة.

لا يمكن أن تعرف أن ما تؤمن به ليس صحيحا، إلا إذا جربت وفعلت وشاركت وتحملت المسؤولية وواجهت الواقع، أما أن تبقى منعزلا ورافضا ومبتعدا، فهذا يجعل منك ناسكا في معبد، أو شخصا زاهدا، يمر عليك الناس ويزورونك وتسألهم عن الأخبار في الخارج، وماذا يحدث للبشر، لكن ليس بمقدورك وأنت هكذا أن تصبح رجل سياسة.

هل تتذكرون ماذا فعل الذين لا يتغيرون ولا يبدلون مواقفهم في الراحل ابراهام السرفاتي بعد عودته إلى المغرب.
هل تتذكرون السباب الذي كانوا يوجهونه إلى الراحل ادريس بنزكري، ولم يرحمه منهم إلا الموت، وذنبه أنه رفض أن يبقى صارخا في الفراغ، وأن يمدح العدم.
ابق كما أنت
نم في عسل الماضي
ولا تتغير
فالتقدم باطل، والأفكار الجديدة باطلة، والحاضر باطل
كل شيء باطل
باطل الأباطيل
ابق ذلك الطفل الذي كنته
وتشبث به
فالطفل أبو الرجل
ألم يقلها فرويد
ألم يقل أن طفولتنا هي التي تحكمنا
ومهما حاولنا أن نتجاوزها
فلن نقدر
لن.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.