لم يعد بد من انفراز الموقف بابن جرير إما داعما أو ناقما وساخطا إما مواليا أو مناوئا والانحياز أو المعارضة بعاصمة الرحامنة ظلا دائما متأرجحا بين أجنحة وتيارات هي باعثة السياسة بكل ألوان الطيف،في بداية الحياة السياسية والحزبية كانت الحركة الشعبية والاستقلال حزبان يتنافسان على المقاعد وكل المقاعد وكانت الحملات الانتخابية بالعصي والهراوات والهتاف بحياة الزعيم والاصطفاف في إحدى الضفتين عقيدة وملة أو كفر وجحود.وانتقل الوضع من حالة الاختيار بين الأصفر والوردي بين الميزان والخنجر أو السنبلة وانغراس من أخمص القدمين حتى شواة الرأس في المنظومة الحزبية بمعيار الزعيم والشيخ والمريد إلى وضع آخر تضخم فيه الليمون وبعده انبعثت أحزاب أخرى وصار الائتلاف نتيجة حتمية بمعيار المرجعية الإيديولوجية و أرض الله الواسعة وعلى طول التجارب والتقلبات والتحولات في الاصطفافات والمواقف عاشت ابن جرير حروب داحس والغبراء خلفت الجناة والضحايا وذكرتها تقارير التخليات الانتخابية.
والاختلاف والخلاف عملة لوجه واحد ابن جرير دائما يتدافع أبناؤها بالنار والحديد في كل الأمور الدنيوية والسياسة مركز الكون لدى الصغير كما الكبير هي الهواء الذي يتنفسه روادها ليس بمناسبة محطة استحقاق ولكن طيلة السنة وعلى مدار الساعة،ولم يسجل التاريخ قط على امتداد عقود من الزمن هدنة أو اتفاق وتوافق على مضمون الوجهة الافتراضية التي تختارها إرادة الجميع كما حصل مع فؤاد عالي الهمة الذي استطاع تذويب الاختلاف والخلاف و أن يصنع من قبيلة ثائرة باحة لاستراحة محارب من معارك ضارية بلا عنوان وبلا بداية ولا نهاية.وحده الهمة الذي أقنع و أبدع في تشكيل وعي سياسي مغاير بجني التنمية ينأى عن السياسة السياسوية والولاء الأعمى للأشخاص والأحزاب مؤداه ومبناه ومعناه الباطل الذي يراد به حق طالما القناعة هي إحراز الفوز بالمقعد وليس تكوين لوبيات ضاغطة تنتزع مغانم الثروة.
الغالبية الساحقة من الرحامنة ترى في النموذج الذي خلقه الهمة مكسبا و فرصة وفترة ذهبية لأن الإجماع بكل تناقضاته كلمة السر وراء النجاحات الباهرة وفئة أخرى ترى في هذا النموذج تمييعا للحياة السياسية وإقصاءا ممنهجا لكل الأحزاب الأخرى بما قد يخلقه ذلك من نقاش جانبي وجوهري عميق حول قضايا الشأن المحلي،وفي خضم التجاذب حول النموذجين لاح في الأفق وطفا على السطح نقاش حاد مباشر وغير مباشر وصريح وبالمرموز يتطارح الانفلات والتخلي والخرق و لا يلامس عمق الأشياء.التشكيك في مرجعية النموذج الأول اتجاه عمودي نحو نسف الأرضية التأسيسية التي قامت عليها فكرة التشبيك حل لكل الحلول وفي مقابل ذلك انتصار لقيم زئبقية منفلتة عن أي تحليل تمتح من معين حرب نفسية حول المقاعد والمواقع تنتفي فيها البدائل ومخارج الحلول وينقرض فيها حد التلف المعرفة الميدانية والتقنية بدهاليز وسراديب التدبير بالعلوم السياسية والإدارية والسوسيولوجية وهلم جر علوم وبحور المعرفة.
ثم تحولت طاحونة الكلام والجعجعات بلا طحين من فضاءات هواء الطلق نحو تسخير الأنترنيت بوابة للرأي والرأي الآخر فيما يشبه برنامج الاتجاه المعاكس ينتهي عادة بالسب والقدف والتشهير،جناح يدافع عن حصته من الكرامة وجناح يتهمه باستفادته من حصة الكعكة والحوار صاخب قد يؤول في النهاية و آخر المطاف إلى ردهات المحاكم و اشتباك بالأيدي وحقد دفين و مواجهة إعلامية مفتوحة على مصراعيها لأن الضفتين غير متكافئتين ومتنافرتين كما حال قبيلتي بكر وثغلب رائحة الموت نسيم عليل في أجوائهما.