رحل عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان والأب الروحي للعدليين عن هذه الدنيا بعد عمر طويل خاض فيه الرجل الكثير من المعارك لمقاومة المخزن وجيوبه تارة، ومقاومة التيارات الفكرية التي إما كانت تريد مكانا بين تلك الصولات والجولات ضد إرادة مخزنية عروقها متجدرة في بلد لا يؤمن قطعا بأن يشاركه أحد في مرجعية “إمارة المؤمنين “.
وظل الإختلاف والإحتقان سيدا الميدان ، الجماعة تريد، والمخزن يريد ، وإرادة الله هي التي تفعل ما تريد ، حين نصب الفقيد نفسه بما يشبه سالف الأزمان أو بالأحرى ما يشبه الرسائل حينما يشتد القيل والقال بين جماعة أو فرقة، فيتطوع فقيها أو عالمها إلى تبيان البيان ونفظ غبار كثرة المحال وفضح الحال ، فكتب حينها عبد السلام ياسين رسالته المشهورة إلى الملك الراحل الحسن الثاني ” رسالة إلى من يهمه الأمر ” نصح فيها ، ووجه ، واستهلهم مجموعة من الأفكار ومن التوجيهات الدنيوية والأخروية ليقتدي ملك البلاد بحسبه من توجيهات المرشد ليستقيم حال البلاد ، كان ينظر فيها عبد السلام ياسين إلى أن المغرب على شفير السكتة والنكسة مع ملك لا يعترف بالأخر وأنه مستبد يحتاج إلى رسالة أخرى سماها ” الإسلام والطوفان ” ، عاش معها شيخ الجماعة إرادته التي تجاذبت مع إرادة دولة رأت أن السجن والحصار على عبد السلام هو الأنجع من سماع ” ترهاته ” بنظرهم ليعيش الإقامة الجبرية بحي السلام بسلا ، سنوات قضاها في قبضة وزير الداخلية ادريس البصري الذي كان الأمين وكاتم سنوات الرصاص وصانع الأحداث ولم ينفع في تغيير هديرها فتاوى الشيخ ومجلس إرشاده ولا تدخل الغرب الذي بدوره كان يرى أن عبد السلام ياسين لا يجب أن يكون حرا طليقا … ومرة كان نفس الغرب يريد أن يبقى الرجل قيد تلك الإقامة . فيما وبعد نيل حريته وخروجه في زمن ملك الفقراء محمد السادس عصفت بالعالم العربي أحداث كثيرة عنوانها الأبرز ” الإرهاب ” الذي غير خارطة العالم بعد 11 سيبتمر ومعه احتفظت الجماعة بكل مقدراتها لإنعدام ما يمكن أن يمد المخزن بعصا الإجهاز على الجماعة، في جو مشحون بلا إرادة لدول العالم العربي المدفوع بقرارات أمريكا المتضررة من تلك الأحداث لسجن الالاف من رموز الحركة السلفية وقيادات سياسية حزبية تلتها أحداث 16 ماي بالدار البيضاء التي أطفأت كل الأنوار .
هناك ظلت الجماعة حريصة على ” سلمية ” رسالتها ونبذها للعنف في دورة حركة التغيير التي سيكون للجماعة فيها صولات كبرى مع حركة 20 فبراير والربيع العربي الذي لا ينكر متتبع أن خروج حركة عبد السلام ياسين إلى الميادين كان خروجا أربك الجميع، و لم يسترجع فيه المخزن أنفاسه إلا بعد أن تركت العدل والإحسان الشوارع وتراجعت الى الوراء إلى “جب زعيمها ” الذي كان حينها قريبا من هذا الموعد “الموت ” ، العدول على الإنتشار الذي شغل به عبد السلام الرأي العام الوطني والدولي كان خيار الجماعة وربما خيار الرجل في ما يشبه الإلتزام بأن يصنع الشارع ثورته من غير العدل والإحسان التي ودع اليوم أحد أكبر رموزها تجرعا لكل معادلات المحزن التقليدية في هذا البلد الذي لا يمكنه أن يتغير بمجرد رسالة للغفران أو رسالة لمن يهمه الأمر .
ليطرح السؤال اليوم هل سيكتفي اليوم مجلس الإرشاد والجماعة من بعده بترثيل نفس أدعية زعيمها أم أن الإيمان بالقطيعة أصبح ضرورة لخوض غمار المستقبل في ظل أجواء أصبحت واضحة المعالم ؟ تم ما مصير أولئك الذين آمنوا باستمرار روح عبد السلام وطرقه الصوفية ومدرسته البوتشيشية التي اغترف منها زعيمهم والتي كثيرا ما روج عنه أنها طريقة أصابت حلم الجماعة في شخص شيخ كبير واهن العمر يصعب تجاوزه ويصعب نسيان بداياته مع الترقي .