ودّعتُحاضرة قصر البديع، قاصدا نهر أم الربيع، فلما طويتُ عشرة فراسخ أو يزيد،تناهى إلى أذنيّ صوتٌ بعيد، فاقتربتُ فإذا رجلٌ فوق تلٍّ مرتفع، والقومكلهم لخطبته يستمع، بذلته جميلة راقية، و همَّته تبدو عالية، فإذا هو يقول:
أيهاالناس، يا أعضاء قبيلتي، وأبناء عشيرتي، يا من نفوسهم في الرحمة آمنة،ومحبتهم في فؤادي كامنة، قصدتكم وأنا أجوب البلاد عرضا وطولا، و أطوي منهاأودية وسهولا، أحشِد الجنود والأتباع من كل الفجاج والأصقاع، لا يمسُّنيتعب ولا لغوب، ولا يُصيبني إعياء ولا شحوب، فأنا ضامن الغد و المستقبل، وعليّ الاعتماد و المعَوّل، خرجت من تحت جبّة السلطان، فملأت لوحدي الميدانوسارت بذكري الركبان، فلا يضاهيني إنس و لا جان، و قد أحطتُ نفسيبالخِلاّن، وحففتها بالرفاق وبالزبانية فأنشأت تلك الفرقةَ الناجية، ثمهيأت لها أسباب العيش والبركة، وسميتها الحركة، أما رأيتموها نَمَتْ بوتيرةعالية، و استأثرت بمفهوم الديمقراطية، فنزلتْ على ذلك المشهد السياسيالآسن رحمة من السماء، كأنها غيث أصاب أرضا بلا ماء، فحشوتُ في حركتي من كلالأطياف السابقة، وعزّزْتُها بالتائبين من المذاهب المارقة، الذين ألفواغياهب السجون، ثم نسوا المبادئ لما انتفخت البطون، فسكبتُ الغثَّ علىالسّمين وركمتُ أقصى اليسار على أقصى اليمين، وما هي إلا مدة يسيرة حتىأعددتُ لحركتي العُدة، وزلزلت هذا الخليط الغريب بشدة، وغنيتُ الأناشيدوقرأتُ التعاويذ، وبين رمشة عين و أخرى، أمطرت السماء النعمة الكبرى، هينجم حزب جديد سياسي، شغل البلاد بلا نضال ولا مآسي، فلا مرجعية ولا أدبيات،ولا مبادئ ولا دراسات، اللهم شتات في شتات، فذُبحَت الذبائح وتُليتالمدائح، لهذا الوافد الجديد لما اقتحم الجمع دون استئذان، و طمح للصدارةبين الأعيان.
أيهاالناس، اعلموا رحمكم الله أن الحكومة في يدي رهينة، ولمشيئتي راضخةمستكينة، وانظروا إلى الوزراء يمتثلون لإشاراتي، و يُهرولون لحضوراجتماعاتي، يقفون أمامي بكل انضباط، كأنهم يُساقون إلى الصراط، ظاهرهم الودوالابتسام، و باطنهم الهوان والاستسلام، قلوبهم وَجِلة على المناصب،فيتدافعون لمرضاتي بالمناكب، قد أيقنوا أن همسة مني تعصف بهم عصفا، ولمحةمن بصري تملؤهم رعبا وخوفا، فهاهم يطأطئون لي رؤوسا، خشية أن يصبح يومهمعَبوسا، وإن داعبتهم بالحديث هبُّوا فصفّقوا تصفيقا، ليزداد حزبي بهجةًوبريقًا.
أيهاالناس، اعلموا رحمكم الله أني صاحب النظرة الثاقبة، وإطفائيُّ الأزماتالصاخبة، الملفات الكبرى من محض اختصاصي، ويميني تُمسك الرقاب والنواصي، منأرضاني هادنته، ومن أزعجني صرعته، أما رأيتم أني استقطبتُ أهل الأدبوالفنون، يلهثون ورائي في جنون، وروّضتُ من أبطال الرياضة النجومَ اللامعة،فأصبحَت لأوامري طائعة، وأحطت نفسي ببعض الشعراء، عاشقي الفلا والبيداء،أما أهل الأموال ورجال الأعمال، من كان سخيا كافأته بالرضا والحبور، و منتبرّم فله الويل و الثبور.
أيهاالناس، اعلموا أني أغرِف من ينابيع تلك الصداقة، كلما احتجت لشيء منالطاقة، وما قوتي إلا تلك العلاقة، التي أوظِّفها بذكاء ولباقة، فهي الكنزالثمين، وهي الرصيد والمعين، واسألوا خصومي المساكين، إذ جرفهم تياريالجارف، وهل يعبأ الليث بضعاف الزواحف؟ دعهم يتباكون في بيانات الاستنكار،ويصيحون بالليل والنهار، مما فعل بهم سائق الجرار، وهم يرددون: اللهم قِناشرّ هذا الكائن الجديد، الذي أفزع أحزابنا فجأة دون تمهيد، أنهَك كبارنابصفعة، والَْتَهَم صغارنا دُفعة، وسَحَب البساط تحت الأقدام، وملأنا حسرةعلى سالف الأيام.
أيهاالناس، مشروعي أكبر مشروع، وكلامي وحده المسموع، أملِك مفاتيح السياسة،أطوِّعها بدهاء وسلاسة، أحرِّك الخيوط بإتقان وأفرِّق الأدوار حسب الألوان،أنا مهديُّكم المنتظر، وأنا المبتدأ والخبر، أترأس الحفلات وأتصدَّرالصفحات، أتوسط الموائد، و أملأ الجرائد، أنا مصباح الحقيقة وأنا شيخالطريقة، أنا محيي الأصالة ذات الجمال، وباعث المعاصرة بلا جدال، أنا نورالحكمة وأنا مغدق النعمة، جندتُ جيشا من المؤلفة قلوبهم، والطامعين أنتمتلئ جيوبهم، فأحدثتُ في البرلمان ضجّة، بلا منطق ولا حجّة، ولجْتُ ذاتصيف بابه، وغزوتُ فِرقه وأربكت أحزابه، فبدأتُ بكراسي الأغلبية، ولم أُفصِحعن كامل النية، فلما حان وقت المقايضة، قفزتُ مع جنودي للمعارضة، ثم جمعتُالسبي والغنائم وتأهبتُ للموعد القادم. فيممت وجهي صوب الحواضر، وألقيتنظرة على المحاضر، فقلت لخدمي خذوا المجالس، بعدما كنست التحالفاتبالمكانس، فإن تباطأ جعفر أو منير، أصابه شر مستطير، فلا يملك لأمره منقطمير، أبدأه بالوعيد، ثم أنفذ التهديد. أما الشيخ المسكين عباس، فقد تركتهأضحوكة بين الناس، يستغيثُ و يستنقذ، و بهاتفه الجميل يستنجد، يتحرّق شوقالصوت رنينه، لعل مكالمةً تخفّف من أنينه.
أيهاالناس، إذا حل يوم الانتخاب، فقد علمتم الرأي الصواب، فأنا وليكم الصالح وأنا أدراكم بالمصالح، فلا تفكروا كثيرا ولا تخشوا تقصيرا، فآتوني أصواتكمبلا حساب، ولا تثقوا بباقي الأحزاب، والسلام عليكم أيها الأحباب.