مازوشية الجياع و سادية السلطة في بلادنا
عبد الغفار الموفق الادريسي
1 ــ مازوشية الجياع
فعلا ففي الجوع و الفقر لذة و استمتاع.تطالعك سحنات المحرومين في بوادينا و حواضرنا بابتسامات مفتعلة لا تنفع في طمس السنون العجاف . يبادرك أغلبهم بالحمد و الثناء كلما حاولت استجلاء حالهم أو استشراف مآلهم . لا هم كفروا بعد فقر ، و لا هم عقلوا فتوكلوا . فعلا ، فعلى صخور بوادينا تكسرت نظريات علم الاجتماع ، و على أسوار مدننا تناثرت أوراق السيكولوجيين ، وحدهم الساسة الذين عرفوا من أين تؤكل الكتف .
و من مفارقات زماننا أن يحرنجم الناس حول واهبي الصدقات، و موزعي المنن و ينفروا ممن يمنع عنهم سمكة اليوم في مقابل تعليمهم صيد السمك . فتمة رجل باع خرافه و أرضه و لم يحمل معه إلى مدينة الأحلام سوى عربته و دابته التي لاحقتها لعنة الأثقال إسوة بالشاحنات و الحافلات ، و لم ترافقه سوى ابنتاه الأميتان العانستان اللتان ستكتشفان عالم الأناقة على مرايا العجزة في الحانات ، و ابنه الذي نقل مقر تجارته في القنب الهندي من حقل الصبار إلى حديقة السنديان . و إن سألتهم جميعا عن مصدر شقائهم و مرد تعاستهم أشاحوا النظر، أو استغرقوا في ابتسامة بلهاء إن لم يمجدوا ولي نعمة / نقمة أو يسبحوا بحمد البشر و الأصنام . يقولون ( لا نسأل الناس إلحافا ) ثم تجدهم في أول طابور أمام بيوت ملاعين المرشحين يستجدون الفتات و يقتاتون على سم الوعود ، و قد لا تسلم من هراواتهم و ساقط شتائمهم إن أنت أمعنت في بسط الحال و شرح البسيط و المحال .
و هناك مقدم حضري يعتني بهندامه موهما نفسه بالانتماء لعالم الكبار ، متناسيا أسمال صغاره و زوجته التي ناءت بكلكل الترقيع و التنقيب في سوق المتلاشيات ، يتقبل يوميا صنوف الإهانات في سبيل تنقيح التقرير و جمع المعلومات ، يصلي يوم الجمعة خلف الإمام و كله أمل في سماع كلمة دخيلة على صياغة الأوقاف . و هناك أستاذ ” موسوعي ” راكم ثروة صغيرة من السمسرة لا يجد حرجا في لعن المناضلين و تغيير بدلات ” الفرصة المواتية ” و تبرير استكانته لمرارة الفناجين و دخان اللفافات الرخيصة دون الخوض في السياسة و الفكر بمقولة ” إذا عمت هانت ” .
و الأغرب من هذا و ذاك تاجر صغير ألف فتات الجمعيات و استهوته السياسة فحجر على إخوته وبني عمومته و شمر ساعديه للنضال في المناضلين تارة ذما و قدحا و تارات بيدقا في يد ذيول المخزن المتعفنة يوجهونه أينما شاءوا . و وسط كل هذه المفارقات و المتناقضات تجد دائما ذلك الضابط الرشيق ببدلته الرسمية و جهازه اللاسلكي رفقة القائد الصغير المشهور بأحذيته العصرية اللامعة في خضم الاحتجاجات . ألأول اشتهر بكلامه الساقط و اجتهاداته الغريبة و الثاني اشتهر بصبيانياته . لا ندري أهي مازوشية أم سادية و لقصصهم بقية .
2 ــ سادية السلطة
لا تستقيم سلطة السادي إلا بألم المحكوم . فمنبع اللذة عنده يكمن في عذاب و شقاء و تعاسة من يأمرهم فيطيعون، و يحرمهم فيستغيثون و يستعطفون . تكرست في ثقافتهم مظاهر السادية حتى أضحت مرتبة في سلم قيمنا الاجتماعية، و تعاظمت مظاهرها لتسكن النفوس و القلوب و تنعم بالقبول في علاقاتنا و تواصلنا .
بين ظهرانينا موظفون صغار يمدون الناس بالوثائق البسيطة مقابل رشاوى لا تسمن و لا تغني من جوع و لا تورث إلا ذلا و خزيا ، غير أن عملهم لا يستقيم إلا و الناس طوابير تحث أشعة الشمس اللافحة ، و لذتهم لا تكتمل إلا و البعض يستجديهم من أجل إمضاء صغير ملعون .
أما أمثال القائد المرتب في ذيل السلطة البالية فلا تشبع غريزته الشاذة إلا بخنوع المرؤوسين، و تقبيل القرويين لأياديهم الناعمة من فرط ما أشبعت بالمراهيم و الدهون، و لا ينتشي إلا و نظرات الاستعطاف و الانحناءات توزع عليه قرب مكتبه المكيف . و في السوق الأسبوعي لقريتي الصغيرة ما زال الفلاحون يتذكرون بمرارة كيف كان أحد الشيوخ الذي منت عليه الأقدار بترؤس مشيختين يحمل هراوة ، كالتي يحمل شرطي التدخل السريع الذي أمعن مؤخرا في حرق ظهور المعطلين و المناضلين ، و يقف عند باب السوق من أجل استخلاص اكتتاب بناء مسجد الحسن الثاني ، و كان لا يتوانى في الضرب و الركل و الرفس ، و كم مرة هوى بهراوته على ظهور القرويين كلما تقاعس أحدهم في الدفع لقصر ذات اليد . أليست هذه سادية تمشي على رجليها .
المنتخبون ، أما هؤلاء فقصة أخرى ، كان من بين رواد المقهى الذي أرتاده برلماني حالي ، بمجرد ما أعلنت النتيجة أحرق ثيابه القديمة و اقتنى بدلا راقية لم تعد تصلح لكراسي مقاهي المدينة و لم يعد يسلم إلا بمقدار و ارتفع ذقنه سنتمترا نحو السماء .
و السادية درجات فكلما ارتفع المقام و علت المرتبة في سلم السلطة ، كلما زادت جرعة السادية و تشابكت أوجه صرفها و تمظهرها فالموظف و القائد أقل سادية من الوزير و المدير العام .
تبقى ” كمشة نحل ” وحدها رافضة تقبل أو صنع الألم ، كمشة مورس عليها العذاب فرفضته و رفضت أن تذيقه الناس ، تبقى وحدها شامخة تضيء طريق الحرية الشائك .

