إن الحديث عن حقيبة العربي في وقتنا الحالي يبدو غريبا وبعيدا كل البعد عن ثقافة القارئ العادي أو المتواضع إذا جاز التعبير، لكنه مفيدا للقارئ الناقد بصفته مشاركا في العملية الإبداعية، والذي يتمركز في المنطقة النقدية التي تتعامل مع النصوص على أساس الرؤية النقدية الممنهجة التي تمكنه من دراسة المادة العلمية دراسة أكاديمية جادة، وتقديمها فيما بعد للباحثين المهتمين والجمهور من القراء في غاية البساطة كي يستوعب هذه المادة العلمية الهائلة المتواجدة حاليا في كل من بلاد العم سام ” Tío Sam” و الأمريكتين ـ الوسطى والجنوبية ــ التي حمل العرب المهاجرون شق منها إلى بلاد المهجر أو الوطن الثاني كما هو متداول في المتون المكتوبة بلغة ثيرفاتيس M . de Cervantes ، أما الشق الثاني من هذا التراث الذي أصبحت حقيبة التُركو ــ العربي ــ جزء لا يتجزأ منه في المهجر، وهذا المقال ما هو إلا بداية البداية للنبش والبحث في هذا الموروث العربي المنثور وراء البحر، بغية تجميعه ودراسته دراسة علمية ثم بعد ذلك تقديمه للقارئ عامة، والمبدع الثاني ـ القارئ الناقد ـ خصوصا، لكي يعمل على تحسيس الإنسان العربي والشامي[1] بقيمة هذه المادة النفيسة التي يجب على كل مهتم بالتراث العربي، أن يجند نفسه أولا، ومن حوله ثانيا للتبحر في غياهب الموروث العربي بشقيه الطبيعي والثقافي المشتت في المغترب، جزء منه نُقل والجزء الآخر راكمه صاحب الحقيبة المعروف هناك بالتركو el turcoأي العربي الذي هاجر من بلاد الشام Gran Siria بجواز سفر تركي إلى أمريكا الإيبيرية، لأن بلاد الشام آنذاك كانت ولاية تابعة للنفوذ التركي، ومع تقهقر الدولة العثمانية ساءت أحوال الولايات العربية عامة، وبلاد الشام بشكل خاص وذلك لأسباب كثيرة أبرزها:
خروج الحركات السياسية التي ترفع شعار القومية العربية وتحرض العرب أن يتحرروا من النير التركي كما كانوا يسمونه في ذلك الوقت، فحصلت في الشام عمليات الاعتقال والتعذيب التعسفية التي جعلت الكثير ممن تضرروا من سكان الشاميين يفكرون بالهجرة إلى أوروبا والأمريكتين هذا من ناحية سياسية.
أما من ناحية الاقتصادية فقد كان للحرب العالمية الأولى أثر كبير على الاقتصاد العثماني مما أدى ذلك إلى عجز اقتصادي لم يسبق له مثيل في عهد الدولة العثمانية كان من نتائجه أن حصلت مجاعة كبيرة ونقص في الغذاء تسبب ذلك في هجرة الكثير من سكان بلاد الشام.
وهذا انعكس على أبناء الشام الذين هاجروا إلى بلاد الأمن والحرية بشكل عام، وصاحب حقيبة الذي لُقب بالتركي خاصة، هنا تجدر الإشارة إلى أن هذا اللقب كان يحمل في البداية معنى قدحي، عن صاحبنا العربي الذي استطاع فيما بعد أن يُصحح صورته ويقدمها للأخر كاملة، وبعد ذلك مباشرة تغير اسمه إلى تاجر متجول في مناطق أمريكا اللاتينية América Latina بحقيبته التي أصبحت اليوم بمثابة الأيقونة التي ترمز للهجرة العربية بالأمريكتين، حيث كان صاحبنا المهاجر يحمل فيها الأغراض الشخصية والسلعة التي كان يبيعها أثناء تنقلاته داخل الأرض الموعدة una tierra de promisión ، أي أمريكتين ومختلف جزر الكاريبي والأنتيل Las Antillas، باحثا عن الرزق الكريم حالما بثروة هائلة تمكنه من العودة إلى وطنه الأم بغية تنميته، ومحاولة ربطه بالوطن الثاني، حيث يعيش صاحب الحقيبة التي أصبحت اليوم تدرج ضمن لائحة التراث الهسبانوأمريكيPatrimonio hispanoamericano إلى جانب عائلته الكبرى في بلاد الغربة التي كان عندها هي الأخرى نفس التصور أي بعد الاستقرار ووجود عمل يمكنهم من العيش والتعايش مع سكان أمريكا الجنوبية، واثبات وجودهم سوسيوـ اقتصاديا، وتعليما، وسياسيا، يبعثون البعض منهم أي ما تبقى من الجيل الأول إلى وطنهم الأم لإعادة بنائه، وترميم تراثه الطبيعي الذي قوضه الاستعمار التركي آنذاك وعجل برحيل صاحب الحقيبة إلى أمريكا اللاتينية ليواجه مصره المحتوم في البحر قبل الوصول إلى البلد المستقبل الذي عانى فيه الأمرين مع الأهالي في الجهة الغربية من أمريكا الجنوبية حيث تعاملوا مع صاحب الحقيبة معاملة الغريب إن لم نقل المستعمر القادم من المشرق للإستلاء على خيرات البلاد حسب ما كان رائج آنذاك، لعل هذا هو السبب الذي دفع بهم لمعاملة أبناء الشام بتلك الطريقة الغريبة كالتهميش الاجتماعي مثلا، وهذا تسبب في دياسبورا Diáspora هؤلاء المغتربين العرب من جديد ودفع بهم إلى الاستقرار بالقرى النائية ريثما يكتسبوا بعض العناصر الأساسية في ثقافة الأخر التي تمكنهم من الاندماج في المجتمعات الجديدة، الذي لعبت فيه المرأة العربية المهاجرة، المناضلة، دورا أساسيا في تسهيل عملية الاندماج في المجتمع الإيبيروأميركي عن طريق التناسل الاجتماعي، حسب ما أوردته الباحثة الاسبانية Mercedes del Amo Hernández في عملها الأكاديمي الموسوم بــ “أدب الصحف العربية في الشيلي” ، الذي حاولت من خلاله أن توضح لنا إستراتيجية المهاجر العربي التي اعتمدها لتحقيق هدفه المنشود، ألا وهو تحسين الظروف الاقتصادية، ثم الاندماج في المجتمع والمساهمة في بنائه إلى جانب الأهالي وخلق جسر للتواصل معهم عن طريق هذه الصحف التي كانت تصدر في البداية باللغة العربية من لدن الجيل الأول، لكن هذا لم يتحقق إلا بعد نضال طويل بالأمريكتين، لأن مسألة الاندماج لم تكن قضية سهلة، حيث جوبهوا في الخمسين سنة الأولى بالرفض وعدم القبول، بل الازدراء والاحتقار، ولاسيما الباعة المتجولين منهم، لكنهم رغم كل هذه المعاناة اندمجوا شيئا فشيئا إلى درجة الانصهار والذوبان التامين في ثقافة تلك المجتمعات، هذا بالنسبة للمهاجرين الذين نزلوا بالجهة الشرقية من أمريكا الجنوبية، وأما المهاجرين الذين حطوا الرحال بجزر الكاريبي وكولومبيا نهجوا منهج آخر للتعايش مع أبناء البلد في الضفة الأخرى والتعامل معهم، فكروا في بناء منازل على شاكلة أسلافهم في المشرق[2] للاستقرار فيها، بعيدا عن الأهالي بغية تأسيس مجتمع مصغر لكي يتعايشوا داخله بثقافتهم التي نقلوها من أوطانهم، ريثما يتمكن صاحب الحقيبة من اكتساب المهارة اللغوية المحلية(vernácula) la maestría lingüística التي تجعله قادرا على التواصل مع الإنسان الخلاسي الثقافة في قرى جزر الكاريبي والبرازيل وكولومبيا، وهنا حري بنا استحضار ما قاله الكاتب المرموق Escritor de visos والذائع الصيت عالميا Gabriel García Márquezفي عمله الموسوم بــــ” Crónica de una muerte anunciada“، “قصة موت معلن” الذي تطرق من خلاله إلى الهجرة العربية في بلاده والطريقة التي مارسوا بها هؤلاء المغتربين ثقافتهم الذين لقبهم G. G. Márquez بالمهاجرين المسالمين الذين استقروا في البدايات الأولى من القرن العشرين بجزر الكاريبي وتحديدا بالقرى النائية،كي يتمكن صاحب الحقيبة ورفاقه في الغربة من اكتساب لغة التواصل بسهولة، التي تعد عنصرا أساسيا في ثقافة أمريكا الإسبانية، ومفتاحا لولوج المجتمع الكبير الذي انخرطوا فيه فيما بعد عن طريق التجارة التي استهلوها في البداية حسب Gabriel García M ببيع الملابس، وسقط المتاع في الأسواق والمهرجانات، والفضاء العمومي بغية الاحتكاك بالمواطنين داخل الوطن الثاني بالنسبة للمهاجرين العرب الأوائل الذين كانوا يفضلون التعايش مع الأهالي لكن بثقافتهم وهذا أشار إليه صاحب رواية مئة عام من العزلة ( 1982) ” Cien años de soledad ” حيث يقول ” … كانوا مجدين في عملهم، يتزوجون فيما بينهم، ويقومون بتربية الماشية في وسط الدار، ويزرعون الزعتر والباذنجان”[3] فهذا الكلام الذي ورد في عمل G. G. Márquezيؤكد لنا بالملموس أن صاحب الحقيبة كان هدفه أول والأخير هو التعايش مع الأهالي لا استعمارهم والدليل على هذا هو نعتهم “بالمهاجرين المسالمين”، الذين نجحوا في تنزيل تصوراتهم إلى أرض الواقع عن طريق الانخراط في التجارة، والمؤسسات التعليمية، الذي كلفهم الكثير من الجهد والتضحيات الجسام، ناهيك عن المعارك التي كان يشنها الإنسان الأنديزي على هذا التُركو ــ العربي ــ القادم من بلاد الشرق لا لشئ إلا لأنه يخالف غيره في المعتقد والثقافة، لعل هذا هو السبب الأول الذي دفع بالأخر المثقف من الدرجة الثانية إلى مهاجمته وتضيق عليه الخناق كي يعود من حيث أتى، أما بخصوص الحد من أنشطته الاقتصادية فهذا من تخصص اللصوص في البر، والقراصنة في البحر الذين كانوا دائما يعترضون سبيل هؤلاء العرب المهاجرين الذين اشتغلوا في البدايات الأولى بالأمريكتين في التجارة بالبوادي والمدن معا، هذا جانب يخص المهاجرين القرويين الذين انطلقوا من الصفر اقتصاديا، أما المستثمرين منهم فقد حملوا معهم رؤوس أموالهم من الوطن الأصل أو بعبارة أخرى أولئك الأغنياء الذين هربوا أموالهم من النير التركي الذي تسلط على البلد، وسبب له في شلال تام ، وأثر على الإنسان العربي البسيط أو القروي الذي شد الرحال إلى جبال الأنديز، أو كما لقبناه من قبل في هذا المقال بــ “صاحب الحقيبة” الذي دون لنا هذا التاريخ في صمت رهيب، بالوطن الثاني حيث عانى فيه التُرْكُو ــ العربي ــ القروي الذي اشتهر بالبائع المتجول أي كان يتنقل بحقيبته من منطقة لأخرى لبيع سلعته التي في الغالب ما كانت تُسْلب منه في الطريق التي كان يمر بها من لدن عصابة قُطع الطرق من سكان براري الأنديز الذين كانوا يتربصون لهذا العربي قصد سلب منه الحقيبة وابتزازه، وشتمه، وضربه إذا كان لوحده وخاصة إذا رفض تسليم الحقيبة ودخل معهم في شجار غالبا ما كان يُقتل ثم يُضع في السهوب والأنهار بعيدا عن الأنظار، فهذه العملية كانت تتكرر باستمرار في البدايات الأولى من الهجرة الحديثة، وهذا كان يحدث مع العربي أو صاحب الحقيبة على وجه الخصوص مما أثار انتباهي هذا التعامل الخاص ودفعني إلى التساؤل لماذا العربي بالذات ؟ ونحن على علم بأن أمريكا اللاتينية هاجرت إليها مختلف الأجناس، فالجواب عن هذا السؤال يبقى نسبي لأن معظم سكان أمريكا الجنوبية في تلك الفترة كانوا يعرفون العرب عن طريق المد الإسباني الذي زودهم بمعلومات غير صحيحة عن العرب وثقافتهم، لهذا الغرض حاولنا قدر الإمكان توضيح ما يمكن توضيحه للقارئ غير المتخصص في ثقافة دول أمريكا الجنوبية، وتاريخ العرب المغتربين المنسي الذي كتب صفحاته هذا التركو ـ العربي ـ صاحب الحقيبة، التي كان يوظفها لحمل السلعة والتنقل من ريف لأخر مشيا على الأقدام في اتجاه المدن التي كان يبيع فيها بضاعته، لكن صاحبنا في طريقه دائما كان يدخل في معركة حامية الوطيس مع العصابة المنظمة التي كانت تعترض سبيله طمعا في الحقيبة، وهذه المعركة بطبيعة الحال كان يترتب عنها نتائج درامية من قبيل الوفاة، وهذا كان يحدث خاصة عندما كان العربي يهاجر لوحده من منطقة لأخرى داخل جغرافية أمريكا الجنوبية، بحثا عن العيش الكريم بهذا البلد الذي اعتبره بمثابة الوطن الثاني، لأن الوطن الأول أو بلده الأصل كان من الصعوبة بمكان على صاحب الحقيبة أن يعيش في ظل تلك الظروف التي تأزمت فيها كل المجالات وأخص بالذكر المجال الاقتصادي الذي يعد من بين الأسباب الرئيسية التي أدت بالإنسان الشامي القروي العادي إلى الهجرة تاركا خلفه ذلك المنزل الصغير، للطاعون الذي اجتاح البلد بأكمله وعجل برحيل صاحبنا قبل الأوان إلى الوطن الثاني La segunda patria هربا من هذا الاستعمار، طلبا في العيش الكريم، واجتناب الفقر، والجهل، والمرض الذي أصاب الوطن الأول في جميع مكوناته، حالما ببناء منزل آخر بعيدا عن الطاعون يحميه من كل المخاطر، لكن الأمر ليس بهذه البساطة فهو أكثر تعقيدا على المهاجر العادي الذي كان يطمح بدوره إلى تنزيل مشروعه وترجمته في العالم الجديد إلى جانب الإنسان الهندي نسبيا و الخلاسي ثقافيا.