الأمير مولاي هشام يتحدث عن مشروع مدينته الخضراء بجماعة ” أم عزة “في مقال استشرافي.

0

alamirhicham

في مقال يعبر عن رؤية استشرافية للمستقبل القريب، يبسط الأمير هشام ابن عم الملك محمد السادس، تصوره للمغرب بعد قيام “ثورة الكمون”. وفي المقال الذي نسجه صاحبه بأسلوب أقرب إلى أسلوب كتابات الخيال العلمي، يتصور الأمير الذي يوصف بـ “الأمير الأحمر” نفسه عائدا إلى المغرب ذات يوم خميس 8 فبراير من عام 2018 مباشرة بعد نجاح الثورة.

و يتحدث الأمير الأحمر – الذي غير لون إمارته في المقال إلى الأخضر نسبة إلى رغبته في إنشاء مدينة بيئية خضراء بجماعة أم عزة – عن فكرة عودته إلى المغرب، والتي حددها في إطلاق مشروع مدينته الخضراء بأم عزة التي طرح مشروعها عام 2002، والتي سيكتشف بعد قيام “ثورة الكمون”، أن من كان وراء عرقلة مشروعه هو القصر نفسه، ويفصح الأمير عن ذلك بالقول أنه توصل بعد ذلك إلى قناعة تقول بأنه “يجب أن يكون المرء مغفلا ليثق في خرافة  الأمير الطيب والبطانة السيئة، أو ملك الفقراء الذي يحيط به الانتهازيون الساعون لجمع المال ولكن دون علمه…”.

و ينطلق الأمير في مقاله الذي يحمل عنوانا شاعريا هو “المغرب الآخر”، في تصوره لدوره كأمير في المغرب يقوم ببلورة (قراءة) للأمور، “يقول  ويكرر لمن يريد سماعه وخاصة لمن لا يريد الإنصات إليه: هذا ماذا تعلمت من المغرب”.

وفي مقاله التخيلي، الذي نشر بمجلة (Pouvoirs) الفرنسية في عددها الذي صدر يوم 8 أبريل بباريس، يحاول الأمير أن يجيب عن أسئلة ظلت معلقة من قبيل، مستقبل الملكية، الإسلام السياسي، الاقتصاد، الهجرة، العلاقة بين الأجيال،  والعلاقة بين الحداثة والتقاليد… كل ذلك في مغرب جديد، مغرب يخرج لتوه من “قاعة الانتظار” بعد قيام “ثورة الكمون”، نسبة إلى التعبير المغربي المتداول الذي يصف المغاربة بأنهم “كامونيين”، أي مثل “الكامون”، نوع من التوابل التي لا تزكي رائتحها إلا بعد فركها قويا.

إنه المغرب المتخيَّل، كما رآه ابن عم الملك خلال خمس سنوات فقط. يبدأ الأمير بتصور أعضاء المجلس التأسيسي المخول لهم كتابة الدستور الجديد، وتتضمن اللائحة من بين أعضاءها محمد بن سعيد أيت يدر، نبيلة منيب، عبد الرحيم برادة، عبد اللطيف اللعبي، كريم التازي، رقية المصدق، أبو بكر الجامعي…

وفي تصور الأمير ستلعب الصحراء دورا حاسما، إذ يروي الأمير أنه “عندما انطلقت الاضطرابات التي زعزعت السلطة في المغرب، اكتشف الجزائريون والصحراويون أن  مشكل الصحراء أصبح عائقا أمام الديمقراطية وعائقا أمام التنمية للجميع”. وداخليا تحولت البيعة من عقد متبادل بين طرفين، يتم عبر التفاوض و يمكن الطعن فيه وربما الرجوع عنه إن اقتضى الحال، إلى خضوع شامل من طرف للطرف الآخر، وخاصة بعد مراسيم بيعة 1979 بمدينة العيون.

لكن بعد “ثورة الكمون” ستصبح البيعة في تصور الأمير “ولاء لوحدة الوطن وللأمة ممثلة في رمزها وهو الملك الذي لم يبق وحده فوق فرسه”، على حد تعبير الأمير. كما أن “مصاريف القصر أصبحت تناقش كل عام في البرلمان”، وحتى البروتوكول طاله التغيير رأسا على عقب  واختفي تقبيل اليد. أما القصور الملكية فتحولت إلى  “متاحف ومستشفيات وجامعات”، و”الجيش أصبح تحت مسؤولية وزير مدني وتقلص حجمه”. وعلى مستوى المشهد السياسي يتصور الأمير جماعة “العدل والإحسان”، وقد تحولت إلى “حزب سياسي ونالت رضا الكثير من الناخبين ليس لأسباب دينية بل لأنها امتلكت الشجاعة لتقاوم ملكية متعسفة”.

ومن بين أولى قرارات حكومة ما بعد الثورة عام 2018، يتصور الأمير أن قرار الحكومة الأول هو “تأميم بعض القطاعات الاقتصادية”، وبفضل الأجواء التي خلقتها الثورة سيعلن عن “أول شريحة الكترونية مصنوعة في المغرب”، كعنوان للتقدم الذي أحرزه المغرب بفضل الجو الديمقراطي الذي أصبح يعيش فيه.

ومن أجل تحقيق عدالة اجتماعية، كأحد أهم أهداف الثورة سيتم إقرار إصلاح زراعي  يحاول علاج 50 سنة من سرقة الأراضي الفلاحية، على حد تعبير الأمير.

مقال الأمير، الذي أثار الكثير من الجدل، والنقد على صاحبه، يلخص إلى التذكير بحدس صامويل هانتينكتون عن المأساة  التي يعيشها أي ملك يمارس حكما مطلقا ويحاول إصلاحه فتكون إرادته ضعيفة، لأنه على وعي أن إصلاحات الحكم المتسلط ضرورية لكي يستطيع البقاء في المستقبل ولكنه في نفس الوقت عليه أن ينسف جزءا من سلطته، وهذا ما حصل للملك محمد السادس خلال الربيع العربي حيث راوغ لكي يضعف و يذوِّب حركة 20 فبراير بدل أن يعززها ويعمل على تحديث العقد الاجتماعي بين العرش والشعب.

 

و فيما يلي المقطع النصي الذي تحدث فيه مولاي هشام عن مدينته الخضراء بأم عزة :

لننطلق نحو أم عزة! خامرتني منذ 2007 فكرة إنشاء “أول مدينة إيكولوجية بإفريقيا” هنا بجنوب غرب الرباط. انكببت بمعية مجموعة من صفوة الخبراء علىدراسة الشروط التي تمكنني من خلق الأرضية المناسبة لنمو منطقة سكنية في ضواحي المدينة، لا علاقة لها بالمدن القصديرية أو حواضر النوم تلك التي يؤوب إليها الناس مساء عائدين من عملهم في المدن النشيطة اقتصاديا، عن طريق استعادة الغاز الحيوي من مركز اطراح النفايات، سعيا إلى توفير الطاقة الطبيعية بثمن بخس. وفرت الأراضي اللازمة والرأسمال الضروري لتنفيذ ذلك المشروع بما فيه استحداث جامعة تحمل اسم أبي. ذهبت جهودي كلها أدراج الرياح. فالمخزن الذي ظل يوحي لأقلامه المأجورة أن يروجوا عني فكرة الاقتصار على الاستثمار في الخارج “دون أن أقدم أي شيء لبلدي”، لم يفتأ يضع العقبات في وجهي. عيل صبري بعد إيقاف ثلاثة موظفين سامين عن ممارسة مهامهم وذنبهم الوحيد أنهم لم يستمعوا سوى لصوت ضميرهم الحي، وبعثت برسالة إلى محمد السادس أقول فيها: “أعتقد أن الصعوبات التي ألاقيها في تنفيذ أي مشروع في المغرب مردها إلى كون التعليمات التي تصدرونها تؤول دائما في ضوء مشاعركم تجاهي، أكانت حقيقية أم مفترضة. ومع الحرص على نيل رضاكم بالتزلف لما يفترض نفورا منكم إزاء شخصي، تُفسَّر أي علامة دالة على غضبكم أو استيائكم مباشرة على أنها تعليمات جديدة للتشدد في وضع الشروط، أو التلكؤ في منح التراخيص، أو صم الآذان تماما في انتظارتأكيد التعليمات الأولى مرات ومرات”.

كان الجواب عن رسالتي مسارعة مجموعة الضحى المرتبطة بالقصر إلى التعجيل بتنفيذ مشروعها الهادف إلى بناء 40 ألف وحدة سكنية جديدة بأم عزة ومدينة تضم 30 ألف نسمة… وأخيرا، حل محمد السادس في 9 نونبر 2009 شخصيا بمدينة بنجرير لزرع أول شجرة في “الشريط الأخضر” المزمع إقامته في تلك المدينة التي من المقرر أن تصبح “أول مدينة خضراء بإفريقيا” تضم جامعة نخبوية تحمل اسم “محمد السادس بوليتكنيك”، تنعم بمباركة الملك وتخصص لها استثمارات عمومية ضخمة. ومع ذلك، لا تهم الكلفة الباهظة، بما أن ذلك سيمكن العاهل المغربي، في منتصف الطريق بين مراكش والدار البيضاء، من تأكيد ما ينعم به من صلاحيات مطلقة لإغداق كرمه أو حجب هباته عمن يشاء، بوحي من مزاجه، قصد “تركيع” الجميع، حتى أعضاء عائلته. وينبغي أن يكون المرء على قدر كبير من السذاجة كي يصدق خرافة الأمير الطيب المحاط بحاشية فاسدة، و”ملك الفقراء” المحفوف بمجموعة من الانتهازيين يعملون في الظلام دون أن يتفطن لما يدبرونه، هو المشبع بالنوايا حسنة. ومع ذلك، لم أفقد الأمل في الملكية، بذريعة أنها لا يمكن أن تفصل عن توأمها السيامي المفترس. هكذا ختمت رسالتي الموجهة إلى الملك في صيف 2001 بهذه العبارة: “حتى وإن كنت قادرا على تحقيق ذاتي بنجاح في الخارج، فمن واجبي ان أخدمكم، وفاء لطفولتنا المشتركة ولعائلتنا وللمؤسسة التي أنتم رمز لها”.

وصلنا إلى أم عزة. وكما كان مقررا، جاء أعضاء المجلس البلدي في الموعد. لم نغرق في البروتوكولات ولم تدق الطبول ولم تفرش الأرض بالزهور، لكن الأهم أن اللقاء مر في جو من التفاهم. لم يضيع شركائي في هذا الاجتماع وقتهم في التخمينات والتكهنات، وتم التركيز على الأهداف التي نسعى إليها معا، المتمثلة في تطوير جماعتهم. صدقوا ما أقوله، فما الذي سيدفعهم إلى الشك في نواياي وهم يرونني مستعدا لتوظيف أموالي تنفيذا لوعودي؟ وبفضل قانون اللامركزية الجديد، أصبح بإمكانهم اتخاذ القرار دون الارتهان إلى أطنان “المصادقات” الآتية من عل. قادتنا خطانا إلى مدرسة ابتدائية. منذ تطبيق الإصلاح الذي صادق عليه البرلمان، أصبحت الدارجة هي لغة التدريس. بين لي المعلم حسنات هذا الاختيار قائلا: “لا يجد الاطفال أي صعوبة في الالتحاق بالمدرسة حيث تشكل لغة التدريس امتدادا للغة المستعملة بالمنزل. وهذا سيساعدهم فيما بعد على تعلم اللغة العربية الفصحى أو الفرنسية أو الإسبانية أو الإنجليزية”. وراء المعلم علقت على الجدار ورقة تعبر خير تعبير عن الفلسفة الكامنة خلف هذا التوجه: “لكي نتجاوز ذاتنا، علينا أن نقبلها كما هي”. لم يكن ذلك مجرد شعار للاستهلاك، الأمر الذي أكده لنا المعلم بالقول: “فشل تلامذتي هو أيضا فشل لي أنا”. قبل أن يضيف بنبرة لا تشي بأي مرارة: “إذا لم يحصلوا على المعدل في الامتحانات الوطنية، فمن حق مجلس الآباء أن يفسخ عقدي الذي يتضمن بندا ينص على وجوب الحصول على نتيجة إيجابية”. يبدو إذن أن “الماموث” شبع موتا ودفن إلى الأبد.

زرت أيضا المستشفى وحظيرة للصفائح الشمسية ومشاريع الفلاحة الحضرية والعديد من “المراكز المندمجة” التي تضم جنبا إلى جنب الوحدات السكنية والخدمات وأنواع التجارة للحد من التنقلات وخاصة بالسيارة. لا أستطيع مداراة شعور عارم بالرضى والسرور. لم تُحلَّ طبعا كل مشاكل الحياة الحضرية الحديثة. ما زال هناك طبعا عاطلون ومتعاطون للمخدرات ومنحرفون وأشخاص تعساء…ولكن الدائرة المغلقة، من احتقار الذات، وبالتالي شعور الضغينة تجاه الآخر والإحساس الجماعي بالعجز، قد كُسِّرت في خضم المواجهة مع السيد الحاكم المطلق الذي ظل إلى ذلك الحين رب العائلة الذي يأتمر الجميع بأمره. وليس من باب الاعتباط أن أطلق على التحولات التي شهدها المغرب في فترة لاحقة بزمن طويل على الربيع العربي وحركة 20 فبراير اسم “ثورة الكَمون”، فالمغاربة على غرار هذا النوع من التوابل الذي يضعه المغاربة عند تحضير الطاجين، لا يقدمون أفضل ما لديهم إلا بعد أن يُفركوا فركا. ففي فترات سيادة ملكية الحق الإلهي، والمخزن بأيديه الأخطبوطية وتشكل النظام الحاكم ظاهريا في مجموعة من المنظمات، أصبح السكان معتادين على الجلوس في قاعة الانتظار على هامش التاريخ، حسب التعبير الجميل الذي ندين به شاكرين للفكاهي المغربي بزيز، ولسان حالهم يردد المثل الدارج: “اتسن آ الجن حتى يطيب اللحم”. ولكن الآن، يبدو أن الجميع صحا من غفوته ليدرك أن “تاريخنا العريق” الذي من حقنا أن نعتز به، ليس موتا ندير له ظهرنا، بل أيضا وأساسا المادة الخام التي يتعين علينا أن نصوغها.

alamir

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.