إلى كل المتآمرين ، القتلة وحفاري القبور.

0

يوسف صبري.
وها قد عدنا ، عدنا إلى الحياة بعد الموت ، وأظنه الموت بعينيه ولحم ودمه من غير حيائه طبعا لأنه ليس للموت حياء على الإطلاق ، سأبقى وفيا لعوالج نفسي التي غادرت الأسوار والزنازين ورأت ما رأته ، سأظل وفيا للذكريات من هنا إلى حدود ثلاثين سنة،  تلك التي كاد القاضي أن يحكم علي بها لولا ولولا ، لولا حرف الامتناع ذاك ، عذرا،  لا زلت لم أتمالك نفسي من شدة الكثير مما يصعب تفسيره ، ومن هول أن عقيدة البعض قادرة مقتدرة على أن تقتل الناس ليس لأنهم أثاروا الفتن،  مع أني لم أكن فتانا ، ولم أكن”  سعيد مهران”  في رواية ” اللص والكلاب”  ، ولم أملك عقيدته يوما عندما حمل مسدسه وآثر مواجهة تلك الكلاب  فضلا عن كل محاولات الهروب كما أراد له نجيب محفوظ  ، ولم أكن السفاح في فيلم bleu sky ، ولم أكن ……..إنما يشهد من عرفني أني كنت كغيري لا يغمض لي جفن حين ساعة الصدق ، تلك الساعة التي  هي خير ما أناجيها في الوجود،  وأنا أحمل القلم تعبيرا مني عن ضعف الآخر ، عن ألمه ، عن أمله ، عن ضيقه ، كنت أضيف ، كنت جزءا من  الفتيل الدائب وسط الشمعة المحترقة التي يعتصم بها مخلصين كثر  .لم استعمل شططا في السلطة يوجب الانتقام ، ولم أسرف في أكل أموال الناس بغيا وعدوا ووجب بالتالي التخلص مني، ولست مسؤولا حكوميا انتهى إلى التقاعد وانتهى زمن كبريائه وسط الوظيفة ووجب التنكيس به  ، ولست  في سارية احتج بين يدي من يهمه أمر الملايين من المستضعفين في هذا البلد ، وإنما كنت متعلقا بشأبيب المعلومة،  مخلصا لها، ومخلصا لوتر حساس  ينبض بالحياة ولو أنه أهون من خيط العنكبوت في هذا الجو المكفهر الملبد بنزعات الشر القاتلة الفانية ، كنت صوتا حرا لا غير ،هو ذلك أنا ،وهو من سأظل إلى نهايتي .

اليوم أ سأل كيف يشعر أولئك الذي تحاملوا علي بلا رحمة أو شفقة ، واجمعوا كيدهم على إقباري حيا وهم يعرفون أنفسهم بالتأكيد ، ويعلمون أنني أعرفهم وتلك هي المصيبة ، عقدة الإثم والذنب ترهقهم كلما سيرونني حيا ؟  وكيف سمح امرؤ لنفسه في أن يلفق إلي تهمة هتك عرض قاصرين بالعنف وهما أبنائي ؟  ماذا سيقول هؤلاء للباري جل جلاله ؟  هم لا يخافون الله ،  وكيف لأدمي أن يرفس شرف رجل يتمتع بخصال البشر وطبعا لا يمكنه أن يكون على باطل لبلوغ هذه الحدود من الإجرام .  وأنا الذي لم يكن يوما يعلم وجود هذه التهمة في دينا الناس قطعا ، أرادوا وئدي ، وإرادتهم ستستمر متأججة غاضبة ، فالسهم في العقيدة ثلاث مرات ، سوف لن يقفوا عند هذه الحدود ، لأنني ومن من منبر بلاد بريس لن أتوقف كذلك عند نفس الحدود ،  إيمانا مني أن الموت غير مخيف ، وأنه  يأتي مرة واحدة تم بعده نستريح ، وأن الرعب يرقص خائفا أمام الإرادة المتنفدة والبصيرة المؤمنة بتفسير الأشياء جيدا ، مؤمن بأنني لن أتمالك نفسي ، ولن أغادر لبيع الليمون أو الخضراوات أو بيع الجهل وتسويق النميمة على كراسي المقاهي ، ولن أميل إلى حانة ابن جرير لملاقاة من هم خارج التاريخ ،واحتساء كاس دهاقا بعيدا عن نور العقل والمعرفة  ، ولن يخيفني السهم وإن لم يصبني فقد تعرفت إلى آلامه ، سأظل باحثا عن تلك اللحظة التي ينتهي فيها كل شيء من أجل معرفة الله:  معرفة حقوقنا،  وطريق النجاة من براثن  أناشيد وترانيم فقيرة تغدي الإنسان الرحماني والمغربي الذي أفقروه عمدا وبجرأة النهار الزائدة ، دليلي  الكلمة ، سأكتب وإن لم أجد الورق ، فسأكتب في العقول  بكل وسيلة ، وعلى الألواح وفي نسختها كما كتب الأولون وعلى الأسوار،  “والبولفار” تعبير عن إرادة الكتابة التي ذوبتها الدولة خوفا من الحفر عميقا  ، طبعا أحسب اللحظات ، وأعرف العد  ،عد أنفاسي ، فالاستهداف سيتلون وسيتغير أسلوب تدبيره  ،وسيتناوب من يقوم بالمبادرة إلى فعله ، لأقول لكم مودعا منذ اليوم ، لأنني ذاهب في يوم أراه قريبا إلى غير رجعة  ، ومن على هذا المنبر  سيتطوع من يقوم بمثل هذه الأفعال “فالعشماوات ”  كثر لفعل ذلك بدون أثمان همهم أن يرقصوا أمام أسيادهم فيما يشبه العبادة والإخلاص المبهم   ،فقد  غابت القيم ، ولمالا … فهي غائبة منذ أزمان .

 من أرادوا قتلي لن يهدئ لهم بال وهم الذين رموني بعيدا بزنازين وجدت من فيها ليس من المجرمين ، وتذكرت “سبينوزا ” في تفسيره  القطعي للإجرام”  ، ، وسخر لي أن أعيش للحظات من عسرة السجينة فاطمة أ وفقير في ألبوم جحيمها ” la prisonnière ” ، وحز في قلبي أنني ولو ملأت الدنيا كتابات عن السجون فإنني لن استوفي حق المسجون ، إنه الإنسان الفقير ، الضعيف في معادلة المجتمع ، الأمي ،المتعب من أداء فواتير الغير ، ذلك الغير الذي خلق ليحكم وبيده “كرباج ” من حديد لضرب خلق كثير .

 وأنت معي أيها القارئ،  لن تتصور شعوري البريء المفعم بالتطهرية كما وضح “بول بولز ” في أعماله . فعندما أحاطت بي  خطيئة هتك الأعراض ، أعراض القاصرين ، أعراض أبنائي ( طبعا  التهمة   ” صنعت في المغرب ” made in morocco ، والصانع لايقل قدرا عن قول الله  “وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين ”  ) ، وحين انزوت براءتي في ركن مظلم تتخبط كثور مذبوح لم يقبل أن تمرر السكين على رقبته ، وانجلى صبح يوم شرح فيه الكثير عن فعلتي ، وعن الجريمة ، وعن من أكون ؟  كنت أقل قيمة من “سعيد مهران ” الهارب من سوء أفعاله،  كنت أكثر المطاردين أكثر مما تصوره نجيب محفوظ نفسه . سوقوني سفاحا  شيطانا وجب قتله ، لكن تلك المسافة بيني وبين براءتي كانت هي المسافة التي قطعتها بحكمة وتبصر مؤمنا بأن ما صنع في دار الصدر الأعظم  ” le grand vizir  ” هي من شيم الآلة الطاحونة؟؟  التي يموت المخلصون إليها على “رصيف القيامة”  كما صورت ذلك الفنانة المغربية فاطمة أحرار في عرض مسرحيتها تلك ،حيث يموتون مثقلين بالآثام والمرض ،ومثخنين حد الإشباع بالجهل والعدمية ودوار الرأس ، مذبذبين بين تصديق وجود الله و عبادة الشيطان ، مترجلين كمن يهوي في بئر عميق متهالك ذات اليمين وذات الشمال بعيدا عن رحمة الخلق ورحمة الله.

من تحالفوا ضدي أرادوا قتل الكلمة وأرادوا النيل من الحق لأنهم لم يفهموه ، مع أن فيهم الأصدقاء،  وفيهم الإخوة ، وفيهم من لا يمكن قطعا أن  اتق إلا بهم،  وفيهم الكثير ممن وجدوا لتأدية أدوارهم ، برزوا في يومهم ذاك  ،  وتمنوا أن لا أعود، وها قد أعادني المحيط بكل الأشياء ، أعادني بعدما غادرت من منصة بلاد بريس إلى زنازين القهر في عنوان امتدت أحرفه تنحت أكواما من تراب تحت الأرض لتدسني فيه حيا   ، لن أسامحهم  ،  كنت سأسافر في ظلمات السجون لنحو ثلاث عقود أو ما يزيد ببطاقة ائتمان متعددة الاستعمال لا تنتهي صلاحيتها  وببطارية لا تنضب دخيرتها ، أرادوا قتلي ، أراد السفاح قتلي وقتل الأمل في ، وقتل أهلي وأحبتي وقتل الحرية ، وأراد حفاري القبور نفس الشيء،  وأراد المتآمرون نفس المأمول .

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.