ــ أشرف على تمريض إدريس المحمدي وزير الداخلية في حكومة عبد الله إبراهيم.
ــ كان شاهد عيان على حركة التمرد التي أعلنها عدي وبيهي على الحكومة المغربية حينما كان عاملا على إقليم قصر السوق( الرشيدية حاليا).
ــ عايش فصولا من مقام إمبراطور الصحافة (إيف ماس) مسؤول جريدتي لو بتي ماروكان ولا فيجي اللتين ستتحولان إلى لوماتان وماروك سوار.
ــ تكلف بمعالجة عسو باسلام قائد قبائل ايت عطا ، إثر اصابته بجروح في معركة بوكافر. ويتذكر الحاج باسو أن عسو أخبره بامتعاض شديد أن الاستعمار مازال قائما ما دامت اللغة الفرنسية تكتسح كل الإدارة وكل المرافق.
ــ انتسب مبكرا لحزب الاستقلال ، وحاز ميدالية الاستحقاق جراء مساهماته الفعالة في مكافحة وباء الطاعون .
ــ قام بإعذار (ختان) الاف الأطفال في المناطق التي كان كادرا ومسؤولا طبيا فيها من سمرير الى سكورة ،الى تودغا ، الى اكنيون ،الى تلوين ، ومن جملة الأطفال الذين أستهدفهم مقصه ، الأستاذ الجامعي ودكتور القانون العام والعلوم السياسية ، محمد البردوزي العضو السابق في منظمة 23 مارس ، وعضو هيئة الإنصاف والمصالحة ، وعضو اللجنة العلمية التي أنجزت تقرير 50 سنة من التنمية البشرية في المغرب وآفاق 2025.
ــ تقمص دور الطبيب الألماني ألبرت شفايتزر الذي سافر إلى أدغال إفريقيا ، وهناك اشترى كوخا صغيرا وضع فيه بعض صناديق الدواء والأجهزة الطبية ، وعمل ليلا ونهارا ، حتى أحبه الجميع ، ولقبوه بالساحر ، بعد ذلك صدر أمر من السلطات الألمانية بالقبض عليه وترحيله إلى فرنسا وإيداعه السجن .وفي السجن كان هو الطبيب العضوي والنفسي لزملائه المسجونين ولما أفرج عنه، أخذ يعزف في الحفلات الكبيرة، فجمع المال وعاد به إلى إفريقيا لمعالجة كل بائس فقير.بلغت سعادته منتهاها حين بنى مستشفى من 25 سريرا لمرضى الجذام أصدقائه الزنوج.في سنة1952 حصل على جائزة نوبل للسلام.
وأنا أحفر في تاريخ هذا الرجل ـ الحاج باسو علا ، والد زوجتي ـ الذي توفي صبيحة الجمعة 20 دجنبر الجاري ـ فقد يخيل للقارئ أن الأمر يتعلق بشخصية أنهكتها مدرجات كلية الطب ، فختمت مشوارها بنيلها لشهادة الدكتوراه ، أو بشخصية من قيادات جيش التحرير بالجنوب الشرقي المغربي ، أوبشخصية تيسرت لها سبل ومسالك القرب من دوائر القرار . إلا أن الأمر في مبتداه ومنتهاه يتعلق بكل بساطة برجل بسيط ، ذي سحنة سمراء ، ولكنة أمازيغية ضاربة جذورها في أعماق نبل وكرم وشهامة سكان قبائل أيت عطا .
رأى النور في بومالن دادس وهو لا يملك من متاع الدنيا ، سوى ما ترك له الوالد من أعباء إخوة الصلب لإعالتهم من أجل استمرارهم على قيد الحياة في مغرب كان يعز فيه الخبز، وكان بقاء الإنسان حيا إنجازا بشريا عظيما.
أجبر الإنهاك الرجل على البحث عن ملاذ أكثر أمانا ، وأكثر ضمانا للاستقرار إلى جانب الإخوة والعشيرة ، فدفعه قدره لتطأ قدماه مستوصف المركز الذي يسهر الأجانب على تسييره .ولأن الشاب كان متقد الذكاء وسريع البديهة وواسع الطموح ،ونظيف اليد ، فقد انتدبه أطباؤه ممرضا مساعدا ، مكلفا ببعض الخدمات العلاجية البسيطة .لم يترك الفرصة تمر دون أن يترجم نباهته إلى استعداد فطري لاستيعاب علوم الفيسيولوجيا والصيدلة التي وفرها له أطباؤه ليتلمس خيوطها ودهاليزها .وزاد تعلمه للغة الفرنسية وشغله لمهمة الوسيط والترجمان بين الأطقم الطبية الأجنبية وبين الأهالي ،مكانة أضاءت له طريق المجد للغد الآتي بعدما صار اسمه نجما يسطع في كل الربوع ، ويفيض لمعانه حتى خارج المجال الترابي والاداري الذي يشتغل فيه.
أصبحت للرجل حظوة مميزة عند رؤسائه ، وفرض احترامه على ممثلي السلطات الفرنسية في كل “لابروفانس” دو ورزازات كما يحلو له أن يردد ، وغطت شهرته كل دوار ومدشر. ولم يعد الحاج باسو يكتفي بتقديم الإسعافات الأولية ، بل صار طبيبا متعدد التخصصات من التوليد إلى الجراحة ،إلى التشريح !!!إلى تحرير الوصفات العلاجية للمرضى. وكيف لايتحقق له ذلك وهو يخضع بين الحين والاخر لتكوينات الرسكلة le recyclage داخل أقسام وأجنحة مستشفيات البيضاء والرباط.
سنح له مساره الناجح بامتياز أن يتبوأ مقاما رفيعا ساعده على شق طريق الترقي الاجتماعي داخل بلدته ، فتحسنت أحواله المادية بشكل مميز ، فأقام منزلا فخما ـ بمعايير ذاك الزمن ـ وسط مساحة من أشجار التين والأجاص وغيرها .وغدا بيته دار ضيافة لمختلف فئات بلدته من كبار رجالات السلطة والمقيمين الأجانب إلى عموم المواطنين البسطاء الذين لا يتوانى في تقديم كل اشكال الدعم المادي والطبي لهم.
وسيزداد تدرجه في تحقيق كثير من أحلامه وأمانيه ، حينما سيقع عليه الاختيار ضمن البعثة الطبية المتوجهة إلى الحج بمعية الدكتور بنيعيش والدكتور بلقزيز وذلك سنة 1961.
كان كلما زرته في بيته بمراكش طيلة الثلاثين سنة التي جمعتني وإياه في إطار علاقة المصاهرة ، لا يكف عن تكرار تاريخه وتاريخ البلدة التي نشأ فيها وترعرع ، وبنى فيها مجده ، وأنجب فيها ذريته التي أفلح في تربيتها ، وأفلح في أن ينجز المهمة وبالعلامة الكاملة.
وبالقدر الذي كان يجد في خير منصت ومهتم لهذا وبهذا التاريخ الحافل بنجاحاته ، وفتوحاته ، وخلافاته وحروبه مع خصومه ، بالقدر نفسه ،كنت مشدودا لسماع تفاصيل وأحداث ووقائع سياسية ، أبطالها والفاعلون فيها يتوزعون بين الوطنيين المخلصين والخونة والسماسرة في الوطن والتاريخ. ويستحضر بكثير من الاعتزاز تقديم الواجب الوطني لفائدة سجناء الحركة الوطنية الذين يتم اعتقالهم في قلعة مكونة أو في بومالن دادس تحركه في ذلك نعرات الوطنية الصادقة ، ونعرات الانتساب إلى قبائل أيت عطا التي تشرف بمعاينة تفاصيل معركة بوكافر وهو شاب يافع لم يتجاوز ربيعه الثاني بعد.
ولأن خط مساره كان ذا منحى لولبي من الانتصارات والانكسارات التي ترافق كل من يرسم آفاقه بألوان قزحية ، فقد كانت الاستقامة والصرامة والحكمة وبعد النظر ، الأساسات الصلبة التي شيد عليها بنيانه ، ما سهل على الأبناء الاحتماء بهذه الأساسات ، والاهتداء بها نبراسا يسترشدون به إذا ما فاجأتهم عاديات الزمن ومفاجآته . ولم يكن ليصل لهذا المجد منفردا، إلا في حضرة رفيقة عمره ، السيدة الوقورة كريمة الشهيد احمد دحمان ، أحد أبطال معارك الريف ضد المستعمر والذي لم ينصفه مغرب الاستقلال الناقص مع غاية الأسى والأسف.
بعد استراحة المحارب ، بعد الإحالة على المعاش سنة 71 ، كرس الحاج باسو كل وقته وانشغاله لأداء واجباته الدينية بكل انضباط وصرامة ، ضابطا ميقاته على مواعيد الصلاة ،وخاصة بعدما أنيطت به مهمة الأذان وفتح المسجد وإغلاقه حتى بعد أن بلغ به العمر عتيا ، وحتى بعد أن صار يدب دبيبا ، وحتى وهو مستلق ينتظر لقاء ربه .ولا يكتفي بالقيام بالواجبات الدينية فحسب بل ينهمك في قراءة القرآن وتلاوة الأذكار واستفسار الفقهاء والأئمة عن كل ما قد يشكل عليه أو يطلب فيه مشورة ما .ولأنه واعتبارا لهذه الخلفية الدينية التي تشكل عصب تفكيره ، فقد بدا له أن من واجبه أن يهدي إلى طريق الصلاة كل من استطاع إليه سبيلا.
فسلاما له وهو يرمق خيوط النور تتسلل من فجاج تودغا .
وسلاما له يوم أزهرت أشجار التين والخوخ في مسكنه الفسيح على الجنبات الفيحاء لدادس.
وسلاما له يوم لامست يداه أجساد الفقراء والأرامل والثكالى في دواوير ومداشر بومالن ونواحيها .
وسلاما له يوم ارتبط بكريمة الشهيد أحمد دحمان وساعدته بكل الصبر والجلد خلال هذه المسيرة الطويلة على إتمام مهمته زوجا وأبا وطبيبا ومواطنا خدم بلاده بكل الإخلاص والتفاني.
وسلاما له يوم أن غادر هذه الدنيا في يوم استثنائي ،فيه مسحة من القداسة (الجمعة) ،بحيث يمنع فيه على نفسه القيام بكثير من الالتزامات ،وحتى الضرورية منها ، ويحرص على الانضباط الصارم لطقوس مخصوصة طالما اعتاد عليها وأصبحت نقطة فريدة في جدول أعماله ليوم الجمعة.
سلاما له ولأبنائه الذين وفوه حقه من العناية والاحترام والتقدير، سليما معافى، وعليلا طريح الفراش ، وراقدا رقودا أبديا بكل اطمئنان بعدما عمل ما في وسعه ،ليتحصل فاتورة الثواب والجزاء ، والتي استحقها بميزة لا تقبل التحفظ.