لا تعلم أيها الرفيق العزيز أي عبء أثقلت كاهلي بتحمله ، وأنت تسلمني ـ تهديني ـ عملا فنيا إبداعيا ، سهر غليان وتفاعل أحاسيسك وهمومك ومحنك المتجذرة في القلب وما في الجوار ، وفي العقل وما في الجوار، فطحنها وعصرها وأخرجها كائنا حيا ينبض بالحياة حينا، وبالتراجيديا في أغلب الأحيان .وتكفلت أناملك المرتعشة بترجمة تلك الأحاسيس إلى طلسم ينساب كالأفعوان بين ألوان تجمع بين الألم الذي ينخر الضلوع ، وبين الأمل الذي يحتل فراغات البياض التي تركتها عمدا أو سهوا .
لم يسمح لي هذا العمر الذي قضيته ـ قضيناه ـ نحن جيل الحلم والغبارـ في الصدح ملء حناجرنا ، بمطلب شعبنا في حقه في تقريرمصيره ،لينعم بما ينعم به الخلق من سيادة وكرامة وعدالة وحرية،ولم يكن لي ما يكفي من الوقت والجهد والتحمل ،لأسبر أغوار لوحة فنية ،أو منحوتة من الجبص أو المرمر، أوقصيدة عمودية أو متحررة .شغلتنا الثورة الشعبية لبعض الوقت ، وابتلعنا الإصلاح السياسي والدستوري الحقيقي لا المفترى عليه لأغلب الوقت.ومع ذلك ،وبالرغم من ذلك، كان اليسار حنونا بنا وعلينا ، عطوفا ،جوادا ،كريما ،وهبنا مصفاة تسللت من عيونها الدقيقة جدا نسمات من الفن المعتق الذي يسكر حتى الثمالة ، ويحيي حتى الثمالة ، ويميت حتى الثمالة.
ولا يغيب عن بالك أيها الرفيق العزيز ، أن نفسي تعشق كل إبداع ينتجه هذا العقل البشري الخلاق ، والذي تتجلى عظمته في عبقرية شكسبير وجنون فان غوغ وسلفادور دالي ، وترانيم موزارت وسبستيان باخ ، وسينوغرافية سعد الله ونوس ، وشاعرية الماغوط، وروحانية بوب مارلي ،وجدبة المعلم عبدالرحمن باكو. إلا أنني أيها الرفيق العزيز، أخجل أن أضع نفسي في موقف الناقد أو القارئ حتى.
لا أتردد في الزعم أنك فنان بالفطرة ، ولا أدري إن كان الفن يلبسك ،فلا أراك .أم تلبسه فلا أراك أيضا.عيناك تخترقان ألوان قوس قزح وما زاد الانسان عليها ، وأذناك مرهفتان تقطران شهدا ممزوجا بروائع celine dion وedith piaf .
في خلفية اللوحة يبدو الإنسان فيك منشطرا إلى وجه بعلامتين مفارقتين ، علامة بقسمات تحمل جينات ذكورية ، بشنبات معقوفة ،واحدة تسمو نحو الأعالي ، وأخرى تنحدر إلى أسفل سافلين . وعلامة تقابلها ،بقسمات غاية في الأنوثة ، دلالاتها تحيل إلى الظمإ لامتصاص رحيق الحياة ، والاستمتاع بطيباتها ،قياسا للقول المأثور : ما العمر إلا ليلة .
أكاد أجزم أيها الرفيق العزيز ، أن ازدواجية الأدوار في حياتك ، جراء الوحدة التي تعيشها ، هي التي جعلت منك ممثلا ،أسندت لك الظروف لعب دور فيه مسحة من الخشونة، والإرهاق الذي يحيلك إلى كتلة هلامية تتمدد بعد الفراغ من الأشغال اليومية ،لتبحث لها عن بعض السكينة في كل ما يصل إليه العقل الشارد، ودور تبحث فيه الأنوثة عن حقها في وضع أحمر الشفاه ، وتشذيب الحاجبين والعناية بتنسيق الغلالة ،التي ينام بين طياتها الجسد الرشيق.ويتجسد هذا الانشطار العمودي بشكل واضح على محيا الوجه البشري الذي يمثل عنصر ارتكاز اللوحة.ولن أكون مبالغا ،إذا قلت لك : إنني أغبطك على هذا التوليف المتنافر في المعنى والمبنى.
ولاغرو، أن العيون التي تنتشر في كل فضاءات اللوحة ، ليست تمائم لاتقاء شر حاسد إذا حسد ، بل هي تعبير عما تعانيه من ضغط شبه يومي من النظرات الشزراء التي تلاحقك في الغدو والرواح ، اعتبارا لوضعك “غير الطبيعي” كما يتخيله مخيال المجتمع .
ولا تخلو مساحة اللوحة من أدعية لحفظ الذات ، وحقنها بكل أسباب القوة ، والصبر والتحمل ، من أجل حقها في حب الحياة إذا ما استطاعت إليها سبيلا .
قد أكون تهورت، وسرح بي الحمق، إلى المقاصد التي ليست مقاصدك، ويلبسني الغباء لأقولك ما لم تقله . وقد أكون قسوت عليك، أكثر مما قسا عليك الزمن، إلا أنها يا رفيقي ليست سوى قسوة الرفيق على رفيقه.وليست سوى قراءة متطفلة لا تقيم لمعايير القراءة الفنية الناقدة أي اعتبار.ولمزيد من التأكيد والتشديد ،قل هي هلوسة من هلوسات ذكريات المنظمة ،التي كانت تنتابني كلما زاد “دوزاج” الحنق والامتعاض.
وقبل أن أتركك مع وحدتك وتوحدك في الصباغة والفرشاة ، أخطرك أن لي من الطاقة واليقين ، ما يجعلني أحافظ على علاقة الرفقة ،ضعف هذا العمر إذا لزم الأمر.