أشرطة التاريخ بمدينتي تسجل نبوغ و عبقرية أبناء الزاوية و إفريقيا و دوار الجديد و البلوك و جلود باري … و تروي لنا عن نضال ضد جيوش الفقر و قنابل الظلام الدامس لإنارة الطريق نحو العلم و المعرفة و اكتساح خنادق الفاقة التي تجر سنوات ضوئية إلى الوراء .. كانت مدينتي صغيرة و لكنها ولادة ، أنجبت الأطر و رجالات قلما يجود بها الزمن المغربي في مختلف الميادين … تفرقوا في التضاريس الإدارية لجغرافيا المواقع الحساسة للوطن و أسدوا خدمات جليلة و ساهموا في بناء مقومات المجتمع الحديث و بلورة استراتيجيات و صناعة القرارات الحاسمة … هؤلاء نحتوا في صخرة الواقع لكي يصبحوا صناع القرار إلى جانب أبناء العائلات العريقة التي أوقفت عقارب الزمن لإعادة إنتاج النخب التي تسير البلاد و العباد . هؤلاء الخارجين من رحم المطالعة على ما تبقى من أوراق ” الزريعة ” و تحت ضوء القناديل و بملابس رثة و قلة ذات اليد و بطون جائعة ليغيروا خارطة الطريق في تشكيل هرم السلطة و اعتلاء منابر السياسة و تبوأ مواقع التسيير في أعلى سلم التراتبية … كانوا يناضلون في صمت و بطريقة هادئة و عن طريق الثورة الهادئة المتدرجة التي لا تحتاج إلى اعتناق الايدولوجيا الحمراء و الاشتباك مع القوة العمومية و الدخول إلى زنازن المعتقلات السرية. كانت معركتهم ضد التطرف المعرفي المؤدي إلى أحضان الانحراف و الاستسلام لبراثن الفقر و ضد فوهات مدافع ” الحكرة ” ضد ” العروبية “و من أجل إثبات الذات و الانتصار لقيم المساواة .. و من أجل تغيير القاعدة الشهيرة لآل الفاسي ” المغرب لنا لا لغيرنا ” و من أجل إشاعة ثقافة مغايرة للتي زرعها المستعمر ” المغرب النافع و المغرب غير النافع “…و يومئذ كانوا يشحذون أقلامهم و يقومون بتشذيب عقولهم … كانوا يتطلعون و يلعنون ظلام الجهل و عتمة الفقر و ينيرون الطريق نحو ضفاف المسؤولية.. و ها هم اليوم في كل مراكز الدولة و دواليب التسيير في شتى أنحاء العالم ، يتذكرون تفاصيل حياتهم و ذكريات طفولتهم و نشأتهم بأزقة متربة صيفا و موحلة شتاءا ، يسترجعون لحظات الشغب و يستعيدون صور أيام من زمن جنان الكرمة التي كان يحكم فيها ” القايد ” بالسياط و الكرباج و السياسة محظورة على أبناء الفقراء و البؤساء و الفاعل السياسي الوحيد ريس الجماعة القروية الذي يشتري الذمم بكافة الاختراقات ، و لا مجتمع مدني و لا طبقة سياسية و لا إعلام و لا منشآة اقتصادية و اجتماعية و لا دور ثقافية و لا تكوين مهني و لا جامعات …. ها هم اليوم يتابعون حياة مدينة صاعدة خرجت للتو من سرداب العربدة السياسية و الفتوة الانتخابية و دخلت زمن آخر تكسوه كرة الثلج التي تخفي جبل الجليد كما تغطيه شجرة تخفي غابة كثيفة من الثقوب في جسم مدينة معتل … و الحكمة المأثورة تقول ” هل تكفي بلغة في دوار حفيان ؟ ” و جوهرتنا اليوم رجل استثنائي بكل المقاييس و نقطة ضوء في مساحة الغلس و أفقنا الشاسع في صحراء وعرة مليئة بعوسج الإكراهات و المعوقات الذاتية و الموضوعية …لعلها سياسة جار و مجرور هي التي سرقت أحلام المدينة !!