لايبدو مقنعا بالنسبة لنا اليوم ترجمة التنمية على أرض الواقع في هذا البلد الذي نراه يغالب الزمن في ظل أزمة اقتصادية تزحف كالثعبان في كل الاتجاهات ، ولا تبدو المشاريع والمبادرات التي أعطيت في كل المدن والقرى استطاعت إنتاج فرد صحيح معافى وسليم يقدر حاجة بلده إليه وحاجته لنفسه ، ومما يدل على ذلك المؤشرات التي يصطف فيها المغرب منذ عشرات السنين حتى في العهد الجديد ، رغم الأموال والإمكانيات والصناديق التي تضخ أموالا كثيرة ، ترى أين الإشكال هنا ؟ نحن لا نختلف في أمر مطلق يبتدئ بتعريف التنمية ، التي تتغذى على فرد نامي متميز ، وبطبيعة الحال فالفرد هو ربان القاطرة التنموية لكل بلد ، وهو الفاعل فيها والمخلص بالنهاية من الأزمات ، والمغرب لم يزل حبيس الاستثمارات العشوائية في مجال التنمية ، وحبيس مجتمع مدني أشركه القرار السياسي في تدبير الشأن العام ، ولكنه في الختام أفضى إلى مزيد من تكريس أن الحل لم ينفع في مثل هكذا توجيه ، ترى لماذا ؟
فلنسافر مثلا من بوغاز جبل طارق في الشمال مرورا بمدن الرباط والبيضاء ونحط الرحال بمدينة اسمها ابن جرير مركز القرار السياسي اليوم إن شئنا القول ، هل يمكن اعتبار الأموال التي تضخ اليوم في كل الاتجاهات في إقليم استأثر بأكبر الحصص في تاريخ الدولة المغربية غيرت من واقع ابن جرير شيئا ؟ وهل استطاعت كل الأموال صناعة المواطن الرحماني ؟ وهل تمكنت الأموال ومجلس بما فيه من النخب ، بتعريف الموالين لهذه التجربة السياسية ، مع أن النخب والإداريين الجادين والعارفين في تجربة مجلس ابن جرير يجب التدقيق فيها اليوم ، لنقول هل استطاعوا جميعا تغيير أنماط العيش بكل ما لديهم من الإمكانيات والطرق وبما في أيديهم من المقدرات ، أموال مؤسسة الرحامنة ، أموال الجهة والفوسفاط وما علمناه وما لم نعلمه ، هل كل هذا غير من نتائج الامتحان ؟ امتحان بناء المواطن قبل بناء الجدران والحيطان ، هذا إذا أضفنا التفريخ المليوني للجمعيات هنا ، في انتظار أن يكون ابن جرير موضوع الساعة بميلاد الجمعية المليون غدا ، هل كل هذا أنتج مواطنا متميزا يشعر المتبجحين اليوم بأن مجهوداتهم التي يروجونها مثلا عبر فايسبوك الرئيس الذي تشتغل عليه فرقة أو طاقم من الأفراد ، هل كل هذا استطاع خلق l’homme moderne هنا بان جرير أو بالرحامنة ؟
خلاصة يمكن القول أن تجربة حزب الجرار بما تملكه من الخبرة و”النجومية” والشهرة الوطنية ،والمفهوم المبطن لخلافة الله على أرض عرب بني معقل ، وبما سال فيها من مداد الصحافة الوطنية ، وبما عمرته في البرلمان والحكومة والتاريخ الوطني من القيل والقال، لم تستطع الاستجابة والإجابة على موضوع التنمية بمعناها أو بشقها المتعلق بالإنسان ولو بالحد الأدنى ، وهل استطاعت أن تملك الجرأة لقول نعم لقد خلقنا الفرق بين الأمس واليوم بخصوص تنمية الإنسان الرحماني ، من يستطيع بدءا من الرئيس إلى أخر مستشار جماعي هنا والآن قول الحقيقة التي ننتظرها ، بتقديرنا لا أحد يستطيع ، لأنه ليس ثمة هناك فرق بين تجربة البام وباقي تجارب المجالس المتعاقبة على هذا الإقليم ، الذي أصبح اليوم مفترق سياسات مركزية تشبه بالكاد التجارب الدولية التي جعلت من مدن اليابان يوما كارثة إنسانية في نهاية المطاف ، رغم أن تجربة الجرار على الأقل طورت من بنية الجدران وأضافت ، فيما بقي الإنسان هو الإنسان ، في بيئة لا يختلف اثنان فيها على أنها لم ولن تتغير ، مع أنه و بموازاة بناء الحيطان بني مجتمع مدني أساء إلى تجربة حزب البام ، حين وضفت فيه أموال لم تخدم التنمية على امتداد ثلاث أو أربع سنوات ، اللهم خدمة ” الأيدولوجيا ” الحزبية المبنية على “تشراع ” الأفواه فقط .
بقيت الإشارة أن تنمية الإنسان تحتاج إلى تضافر نخب مدركة لمفهوم التنمية وقادرة على ترجمة الوعود ، وتملك من المقدرات والحلول الكثير ، واليوم و بنظرنا أقصي الكثير من القادرين على جبر الضرر في زمن سياسي على الأقل أنه تبشيري أكثر من اللازم ، ومع ذلك أقصيت وجوه كثيرة مقتدرة مشهود بكفاءتها وديناميتها وإخلاصها للواجب الوطني إذا كنا نؤمن بشيء اسمه الوطن ، في المقابل روج لمشروع أكبر من ” وسطائه وسماسرته ” وفقدت النعامة إمكانية الاختفاء ، وبقيت المنطقة والمدينة بارزة ، وبقي رئيس مختفي عن الإعلام ، حسبه أن الطريق إلى عدن لا تفصله عنه سوى ساعات ،و تشكلت بطانة ترقص على نغمات لا تطرب ، هي مجرد معزوفات من الحان وإخراج باهت نسي فيه المخرج ، أن الإنسان الرحماني لا يزال لم يملك إمكانية السماع ، لأنه لم ينم جيدا ، ولم يأكل جيدا ، ولم يسكن جيدا ، ولم يؤدي فاتورة الماء والكهرباء جيدا ، ولم يسافر جيدا ، ولم يزر الطبيب كما يجب ، ولم يتعلم كما يجب ،ولم يفهم أين هو كما يجب ، ولم ………………… ولم .