من أين لك هذا؟

0

لم تستطع الحكومات المتعاقبة منذ استصدار قانون التصريح بالممتلكات مع قائد سفينة الانتقال الديمقراطي الاستاذ عبد الرحمان اليوسفي أن تقطع دابر الاستنزاف للمشترك العمومي، و عدم القدرة نابع في تسرطن الفساد في كل الجسد و تقيح الأورام في مفاصل الدولة و في كل المواقع الاستراتيجية ابتداءا من العقل المدبر لكل الحركات و النبضات و لكل دورة دموية تشريعية أو تنفيذية أو قضائية… و لأن الفساد نخر عظام الدولة و لوث دماء شرايين الإدارة و المؤسسات المنتخبة، فإن الافلات من العقاب صار قانونا من نواميس تدبير الشأن العام حتى بات إشهار الورقة الحمراء في وجه ناهبي المال العام في أعالي البحار و مستغلي مقالع الرمال و في وحدات تموين الجيش و صفقات الأسلحة و في المكاتب الوطنية و المؤسسات العمومية و من صناديق الوحدات الترابية ـ عملة نادرة و سياسة تنفيسية مع كل خروج للشارع للاحتجاج و قلب الأوضاع و ترديد شعارات رحيل المخزن و إسقاط الاستبداد.

و بيت قصيدنا و مربط فرسنا في هذا المقام الجماعات المحلية التي استأسد فيها التخلي عن الثوابت الادارية و مقدسات الميثاق الجماعي، و استشرى فيها الاعتقاد أن تدبيرها أمرا مشاعا يستفرد به الرؤساء و رؤساء الأقسام في عزلة قاتلة عن بقية الموظفين الذين لا يعلمون إلا ما جادت به عليهم مصلحة الموارد البشرية من إعلانات أو طلب للوثائق عند نهاية كل سنة ميلادية.

و في كل تراب إقليم الرحامنة مثلا، أصبح يلاحظ الخاص و العام أن رؤساء الجماعات لا يهمهم في جماعاتهم شيء سوى العلاقة بالممونين الذين تباع لهم فصول الميزانية كما تباع الأجزاء و المتلاشيات بالمزاد العلني. و أصبح الناس يرون  ترددهم على القباضة لتسريع و تيرة الانجاز و السحب، كما أصبحت علاقتهم بوكلاء المداخيل و المصاريف الذين يجمعون في غالب الأحيان بين الوظيفتين، علاقة الشيخ بالمريد و علاقة السيد بالوسيلة لإنتاج الثروة. و اختزل رؤساء الجماعات نفوذهم الترابي في مملكة صغيرة للاستبداد بالحكم و إنعاش سوق النخاسة و إخراس الأصوات و إبادة المعارضة و التعبيرات الحرة.

فحولوا جماعاتهم إلى إمبراطوريات حاكمة لا يوجد فيها تنظيم إداري أو مؤسساتي و لا تفعل فيها القوانين إلا بما يخدم المصلحة و يسخر فيها المجتمع المدني ككائنات انتخابية و توظف فيها الامكانيات لأغراض شخصية و خاصة و ميزانياتها كعكة يأكل منها الرئيس و زبانيته لتصير لهم السيارات الفارهة و منازل خمس نجوم و أرصدة بنكية تحسبا لطوارئ “دواير الزمان”.

إنه قانون “من أين لك هذا” الذي ظل محصنا و حكمه موقوف التنفيذ و لكن تاريخه محفور في ذاكرة الشعوب التي لن تنسى هذا النهب المكشوف للثروات الفارق للطبقات و الصانع للثورات و القيامات و القارئ لكتب السيئات. إنه الحساب العسير لا مفر.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.