النخب المسيرة والنخب المهاجرة بالرحامنة : هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ؟
كم هو عصي على الفهم هذا النموذج من النخب المسيرة و الذي يقدم نفسه على أنه يمثل القدسية في محراب الجماعة . فقد ظلت النخب تتعاقب على المجالس الجماعية بإقليم الرحامنة وتخوض حروب داحس والغبراء لتسويق منتوجها الفكري والمعرفي وتستعرض عضلاتها الاقتصادية ووجاهتها الاجتماعية ، والمحصلة النهائية كانت دائما خيبات الأمل لأنها كانت دائما فاقدة للإرادة السياسية والوعي الجمعي ولمقومات التحكم في لوحة القيادة . كانت تحركها الخلفيات الانتهازية ونظريات ميكيافلي وقواعد الهندسات المتتالية لمراكمة الثروة واستئصال ورم البؤس من وراء تمثيلية ينفق فيها المال الحلال والحرام ويقسم فيها المرشحون بأغلظ الإيمان ويباع فيها الوهم وتبنى فيها قصور من رمال التنمية . ثم إن النخب التي ظلت رابضة في مرابطها ، قابعة في خطوط الانطلاقة لموسم الحج إلى كعبة التمثيلية ، لم تطور حمولاتها الفكرية وأرصدتها المعرفية وترسانتها النضالية بل ظلت حبيسة قوقعة ضيقة الحد الأدنى فيها التشبع بالأفكار العدمية في مقاهي ” الرويبدة “، أما الحد الأقصى دخول غمار الجمعيات الصفراء و الانتماء البيضوي للأحزاب والذي يسفر عن ترحال على سمفونية ” النحلة شامة” . وقليل من هؤلاء من شده الحنين والنوستالجيا للثورة الحمراء فاعتنق منهجها حتى النخاع وظل يشكل حالة الاستثناء والنشاز في قاعدة هرمية عريضة من المنبطحين والمتخاذلين وسارقي المال العام والمنغمسين في محبرة ” أنا وبعدي الطوفان ” .
قد نجانب الصواب إذا قلنا أن الرحامنة لا تتوفر على مثقفين عضويين لأن الحركة الاحتجاجية سواء في زمن التنسيقيات أوفي زمن الحراك العربي ، أفرزت جيلا من الراديكاليين الذين يؤمنون بالإبادة الجماعية للفاسدين من منظور جدري ليس فيه مكان للتدرج والمسكنات الاجتماعية . ويقر الجميع بأن الرحامنة لم تكن في يوم من الأيام أم ثكلى ، أبناؤها من الأطر والمثقفين والنخب العالمة بكل ربوع المملكة فيهم المهندس والأستاذ الجامعي والصحافي ورجل الأعمال والمقاول وهلم جرا. تلك النخب التي خرجت من رحم التربة الرحمانية وجاهدت الجهادين الأصغر والأكبر ، قاومت استعمار الفقر وقاومت معاناة الاستقرار واثبات الذات مع آل الفاسي وبنونة والسميرس وأبناء الطبقة الحاكمة .. هم اليوم منتشرون في الجامعات والمؤسسات الإعلامية والمقاولات الاقتصادية والشركات المتعددة الجنسية وفي المؤسسات العمومية وفي الأبناك وفي كل القطاعات الحكومية . قلما يزورون بلدتهم ولكنهم يتابعون كل تفاصيلها ويحزفي نفسهم أنها تتقاذفها أمواج الطفيليات السياسية الناشئة ، لا تستهويهم مقاعد الرئاسة الجماعية ولا المجالس الإقليمية ولا عضوية في الجهة أو في قبة البرلمان .. لا مقارنة مع وجود الفارق والبون الشاسع الذي يوجد بين النخب المسيرة والنخب المهاجرة. إن هاته الأخيرة لم تجد ضالتها ولا ملاذها في الجهات الحاضنة للأفكار والمشاريع فانصرفت إلى حال سبيلها تاركة الجمل بما حمل لتتجرع الرحامنة مرارة هذا الفراغ القاتل للنخب والمثقفين والأطر والباحثين ….

